أنا آخذ صورة مع الزعيم .. إذن فأنا موجود.. !!!‏

qadaya 0 respond
فضاء الدعم المدرسي

bajou

عبد العالي بجو/ باحث في الفلسفة

“الإنسان لا يولد انتهازيا بل يصير كذلك ”
ع.ب
عندما لا أثق في نفسي ثقة تامة ،وعندما لا أتوفر على القدرات و الكفايات المناسبة و الذكاء المطلوب، فإنني في تلك اللحظة أبحث عن من يكمل نقصي. أستعمل جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة للحفاظ على كياني المهدد دوما بالانقراض. أبحث عن الزعيم الذي لا يشق له غبار في المناسبات وفي غيرها .أقترب منه لآخذ صورة معه، صورة مشبعة بالحيوية والابتسامة والنشاط ،ذلك أن الاقتراب من الزعيم نعمة ورفعة, والابتعاد عنه نقمة وذلة، لألحس له حذاءه المليء بالأوساخ حتى يصبح لامعا ، وأحمل له الحقيبة ، وأبصبص له كالكلب ثم أهرول لأقضي له كل أغراضه ما ظهر منها وما بطن ،إذ كيف سأصل إلى القمة ، وأن أحقق أغراضي وأغراض عائلتي إذا لم أتبع هذا السبيل.
فالصورة مع الزعيم ستمنحني القوة والمجد الذي أبحث عنه . سأشتغل جيدا على هذه الصورة تعبئة وترويجا و تذييعا. سأريها للجميع وأقنعهم بأني قريب من الزعيم ، ومن ظلاله الجليلة ومن كراماته ، وبأني مستعد لأقضي أغراضهم لقربي منه . فالطريق إلى تحقيق أهدافي والوصول إلى القمة سهل ولا يحتاج إلا إلى اجتراح مثل هذه الوسائل . و التخلق بقيم الثعالب والمشي في طريق “التملق والتذلل والانبطاح ” وتقبيل أيدي الزعيم من الوجه والقفا. وليقم الزعيم بخصي رجولتي أو بإهانة كرامتي فأنا سعيد بذلك .
أبحث بالمنهجية الحربائية على أن أحصل على مكانة عالية في نفسه ، و حظوة مرموقة في قلبه وفي قلب عائلته ، إذ أن قلب الزعيم هو الهدف المرحلي الأولي ،أما الهدف الاستراتيجي فهو المصالح والمغانم واحتلال المواقع ، وليذهب التنظيم إلى الجحيم ولتذهب الأخلاق ، والمبادئ إلى مزبلة التاريخ . بعد ذلك سأتبع منهجا برغوثيا في التعامل معهما أمتص ما لذ لي من مصالح وغنائم ثم أحلق بعيدا.
حين تجد الشخص داخل التنظيم يتوفر على جميع المواصفات الجسدية والنفسية والفكرية ليكون قائدا مميزا ، لكنه مع ذلك تجده انتهازيا ومتملقا ومخاتلا. يعمل كل ما في وسعه لخدمة الزعيم. يصبّ العطور في كلامه للزعيم وعن الزعيم . يذوب عشقا في حبه ،وحب من يدور في فلكه ليرضى عليه الزعيم وأهله وعشيرته. بل إنه قد يصبح فردا من العائلة، وينعم عليه بأفضاله وخيراته . يطبل له بالليل والنهار، ويصاحبه كالظل ولا يذكره بسوء في العلن ،أما في السر فهو يحتقره ويذمه _ لأن هذا النوع من الكائنات لا يحبون إلا أنفسهم فهم يعتقدون أنهم مركز العالم _ و حين تمس شخصية الزعيم بأي شكل من الأشكال إلا و تجد صاحبنا يتظاهر بالقلق والغضب والحزن المصطنع.
عندما تجد عضوا منخرطا في تنظيم سياسي أو نقابي أو جمعوي ما يتصرف هكذا ، فاعلم أن مكانته سترتقي داخل التنظيم وسيتم وضعه على رأس اللائحة لترشيحه ، أو جعله مستشارا ،أو اقتراحه لمنصب ما ،أو مهمة ما داخل المغرب أو خارجه ،أو أن يستفيد من ريع التنظيم بمختلف أشكاله السياسية والنقابية والجمعوية والعائلية.
من المؤكد أن سلوكات هذا الكائن تشبه المحرار في صعوده ونزوله وتتحرك حسب الطقس المصلحي ، ومن ثم يصبح طبعه و سلوكاته متغيرة و حربائية طال الزمن أو قصر . فهو يصمت وقت اللزوم ويتكلم عندما يحتاج إلى ذلك ، حيث يصبح الكلام لديه حكمة والصمت من ذهب ، و يدردر عليه الغنائم و لا يعرف الخيرات من أي طريق تأتيه فهو أشبه بأبي رغال في المثل العربي .
إن التنظيمات التي توجد فيها مثل هذه الكائنات لن تصنع لنا إلا القيادات الفاشلة والوصولية والمنبطحة والراقصة على كل الحبال ، أو أشباه القيادات ،وبالتالي تمنحنا تنظيما فاشلا ،عاجزا عن المبادرة والفعل والإبداع. مما ينعكس بشكل آلي وسلبي على المجتمع ، فيغذو مجتمعا كلا ومعطوبا ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما عليه الحال في مجتمعاتنا العربية المتخلفة .
يفسّر علم النفس عقدة النقص هذه على أنها شعور الفرد بوجود عيب بداخله يمنحه إحساس بعدم التوازن والضعف في شخصيته مقارنة بالآخرين،مما يدفعه إلى آلية التعويض كآلية نفسية دفاعية لإثبات وجوده. وتقف وراء هذه العقدة كل التصرفات الشاذة التي نراها في مثل هذه الكائنات من جبن وحربائية ومرائية. و يتصرف المريض النفسي بمثل هذه العقد النفسية تحت وطأة هذا الإحساس لاشعوريا ، ومصدر هذا السلوك هو شعوره بالإحباط وعدم ثقته بنفسه أو للمعاناة التي تعرض إليها في مرحلة طفولته أو لإحساسه بأنه اقل شأنا من الآخرين، فالدرس الفرويدي يعلمنا أن للنفوس أغوارا لاشعورية تخفى حتى على أصحابها.
غير ما أن ما يلاحظ سوسيولجيا و منهجيا هو اتساع دائرة هذه الكائنات ، و أمسى هذا المرض مستشريا ومعديا في المجتمع فحيثما وجهت نظرك إلا وتصادف هذه الفصيلة من البشر ، فمن قادنا إلى هذا الحال ؟
نشأ هذا الصنف من الجيل/ البشر ببلادنا أواخر الثمانينات وبداية التسعينيات في ظل سيادة ممنهجة لثقافة القمع والصمت والتجهيل ونشر المخدرات ، وفي غياب تام لكل أشكال التأطير الأسري والمدرسي و الجمعوي ، مما أنتج مجموعة من القيم المميتة كتصيد الفرص والانتهازية والاتكالية ، والغش والاستهلاك والتسلق على حساب الآخرين وجعلهم سلالم وجسور لتحقيق الأهداف الحقيرة ، وفي انقلاب تام لنظام القيم داخل المجتمع نتيجة لمجموعة من التحولات السياسية والاقتصادية والديمغرافية والسوسيوـ ثقافية ضمن ما سمي بسياسة التقويم الهيكلي بالمغرب وانعكاساته السلبية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية للمغاربة. فنتج عن هذا ، جيل تائه لا يعرف قبلة معينة ، فقبلته المصلحة ، وبوصلته المنفعة ومعبوده الدرهم لا تحركه في ذلك إلا النرجسية والانتهازية والسلوك الثعلبي وأخلاق أبي رغال .
و شكل الضعف الأسري والتخلف التعليمي وضحالة النخب السياسية والإعلام الموجه في تغذية هذه السلوكات والترويج لها عن طريق برامج الترفيه والإشهار والمسلسلات الهابطة المليئة بالبلادة والتضبيع والبرمجة السلبية فتغير بذلك نظام القيم عند عدد كبير من الناس حيث أصبحت قيم الاستهلاك والمصلحة و الأنانية هي السائدة وانزوت بالمقابل قيم النقد والمروءة والغيرية ، والوطنية والمصير المشترك.

يشهد الواقع أن الشخصية الإنسانية بطبيعتها بنية متناقضة مركبة ومعقدة وصعبة الفهم والتفسير والتحليل ، كما تؤكد الدراسات النفسية والاجتماعية ذلك ،مما يستلزم منا معرفة حقيقية بجذورها اللاشعورية العميقة والمترسبة ، وفهم أغوارها بهدف التنبؤ بما سينتج عنها من سلوكات ، وما سيتخذ إزاءها من قرارات، ومن ثم فعملية الحفر ضرورية لفهم وتفسير هذا النمط من الشخصيات. والتاريخ الاجتماعي للأفراد يؤكد أن حياتهم ليست سوى حلقات من الصراع والتدافع بينهم من أجل كسب الاعتراف ، واكتساب المواقع الرمزية وتحصيل المكاسب المادية. هذا فضلا عن أن المجتمع ليس مجالا للتنزه والتفكه و” التقصار” بل هو مجال للحرب والتنافس وبسط النفوذ والحصول على المال والجاه وإثبات الذات ، وهذا ما نلاحظه في كل المجالات والقطاعات التي يتواجد فيها الكائن البشري .
أدرك تماما أن الفرد لا يولد انتهازيا بل يصير كذلك ، فالانتهازي لم يكتسب يوما مهارات الجلوس على المبادئ ..الانتهازي تربى وأنشئ اجتماعيا على أن يكون انتهازيا .فالإنسان لا يولد بلا مبادئ وبلا قيم ، وإنما تتم صناعته على نار هادئة على ان يكون ثعلبا مع تقديرنا لطبيعة الثعالب .
كما أومن أن الحياة لا يمكنها أن تبقى ثابتة ، وراكدة فطبيعتها التغير والتحول وأن الشعوب تتقدم إلى الأمام ، وليس إلى الخلف تتقدم نحو الأحسن ، وليس نحو الأسوأ . وهو ما يدفعنا إلى طرح مسألة المشروع المجتمعي الذي نريد والمشروع الحضاري الذي نتغيى الوصول إليه بتعميق الوعي الحداثي الديموقراطي الأصيل في بناء الإنسان الذي نطمح إليه، ولن يتم ذلك بدون تعليم فعال ومتنور واقتصاد قوي ومتحرر وقضاء عادل ومنصف وإعلام حر ومستقل .
فضلا عن أن هذا لن يتم من دون توفر نخب فكرية مستنيرة وطليعة سياسية تشبه الشموع تحترق لتضيء للآخرين، وليس إلى نخب منافقة ومخاتلة ومستكينة وتبحث عن مصالحها وامتيازاتها فقط ، وإلى طبقة سياسية ضعيفة ومتواطئة مع الاستبداد والفساد والاستعمار و تتحرك بالكنترول . و إلى إعلام قادر على التغيير و التحرير والتنوير وليس إلى إعلام يشتغل على عملية استبلاد الآخرين واستحمارهم وتجهليهم .
ختاما نوضح أن عملية تحرير وعي الإنسان من هذه الظواهر المرضية لن يتم بالصمت والركون إلى الفرجة والتواطؤ مع من يجترح افعالها / منفيذيها ، وإنما يتم ذلك بالفضح والتعرية لسلوكاتهم الخبيثة ، والكشف عن أساليبهم الوضيعة و طرق اشتغالهم الملتوية وبالمقابل العمل على المشاركة الفعالة والايجابية والواعية في بناء مجتمع المؤسسات لا مجتمع النرجسيات، مجتمع القوانين والكفاءات لا مجتمع العلاقات الزبونية والقطيع والاستعباد والولاءات ،مجتمع العدل و الحكامة الجيدة لا مجتمع الظلم والاستبداد والخنوع. لكن كيف يمكن أن نبني في ذهن المواطن / الشخص روح نقدية وذوق الإبداع ؟ كيف ندفع عنه مرض التلون والحربائية و الانتهازية و الكلالة ؟ بأي معنى نواجه ثقافة المصلحة والثعلبية والقبح والانحطاط القيمي؟ تلك هي الأسئلة الحارقة لنهضة أي مجتمع .

الخميس 10 نوفمبر 2016 22:56 فضاء الدعم المدرسي
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

لعنة الفيضانات التي تلاحق المنتديات الدولية بمراكش

المريزق: المجتمع المدني لعب أدواراً كبيرة أيام كانت الدولة الديكتاتورية والأنظمة الشمولية

Related posts
Your comment?
Leave a Reply