إيطاليا:أحكام قاسية بحق المخابرات الأمريكية والإيطالية في قضية اختطاف إمام مسجد بميلانو

qadaya 0 respond

ذ.محمد بدران– استغرقت الحرب المفتوحة بين القضاء الإيطالي والحكومتين الإيطالية والأمريكية لمدة ست سنوات كلها أخذ ورد ،صمد فيها القضاة الإيطاليون على وابل غير مسبوق من الضغوطات والإكراهات ،وكمّ هائل من التدخلات والإملاءات التي لم تنل من عزمهم أو تغير من موقفهم ، ناصبين صوب أعينهم الشعار الخالد:لا يد فوق يد القضاء والجميع متساوون أمام القانون ولو كان الأمر يتعلّق بأمن وأسرار الدولة.

انعقدت بالأمس الثلاثاء المحكمة التاريخية التي شهدتها إيطاليا والتي كانت معظم التوقعات والتحليلات ترجح كفّة هيبة الدولة على سواها،لكن واقع الحال أبان عن غير ذلك بحيث استطاعت العدالة أن تصمد أمام كل التيارات لتطبيق القانون والحكم على الجناة دون أي اعتبار أو مميّزات،وقدمت للعالم نموذجا حقيقيا عن استقلال القضاء الإيطالي وشفافيته. فلم تستطع  الحكومات الإيطالية المتعاقبة الثلاث (حكومة رومانو برودي،وحكومة سيلفيو برلسكوني وحكومة ماريو مونتي الأخيرة) من إيقاف نزاهة  هذا القضاء واستقلاليته ،و التأثير على تحقيقات العدالة الحيادية لتغيير مسارها، بتكميم فيها وتقييد معصميها .لم تفلح كل المحاولات لإسكات صوت القانون وإبطال مفعول المساواة في الأحكام بين كل المواطنين ونصرة المظلوم  والحكم على الظالم .لقد تمسك القضاة بتلك اللبنة الأساسية للديمقراطية وشذوا على تلك الواجهة الأمامية لدولة الحق والقانون، ولا سيما في قضايا مخابراتية حساسة وأسرارا حكومية لا تقبل مساسا.

وذلك ما حدث فعلا مع ملف شديد الحساسية تفوح من ثناياه روائح أسرار سياسية ،والمتعلق بظروف اعتقال غير عادية ،حدثت بإيطاليا وصفت بعملية اختطاف المواطن المصري حسن مصطفى إسماعيل المُلَقّب بأبي عمر المصري إمام مسجد ميلانو ،الذي كان يقطن بصفة قانونية على التراب الإيطالي . تمّت عملية خطفه بالقوة في ذلك اليوم المشؤوم من أحد شوارع ميلانو في شهر فبراير من سنة 2003 من طرف عناصر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية C.I.A بتنسيق مع أجهزة الاستخبارات العسكرية الإيطالية إبّان الحملة الجهنمية ،التي شنها الرئيس الأمريكي بوش باسم محاربة الإرهاب والتي ذهب ضحيتها الآلاف من الأبرياء.لم يكتف السيناريو بتعذيب الإمام وإذاقته المرارة والآلام في إحدى القواعد الأمريكية بشمال إيطاليا بل نقلوه إلى قاعدة رامستين جنوب ألمانيا ليتذوق أنواعا جديدة من التعسف والحرمان ،لينتهي به المطاف بين يد المخابرات المصرية لتكمل معه ما لم تفلح فيه أمريكا وإيطاليا وألمانيا. فشهد الإمام ما شاهده من الظلم والقهر والترهيب لمدة سبعة أشهر في ظروف اعتقال غير عادية ما لم يتوقعه أحد من أساليب وأدوات التعذيب، لا لأي تهمة يستحق عليها ذلك إلا ضنا منهم أنه كان يجنّد الشباب بإيطاليا ويرسلهم إلى العراق. وهذا ما لم يثبت عليه في أي تحقيق مما جعلهم يخلون سبيله في عام 2007 بعد تحمله الهوان والذل والمشاق،فقرر اللجوء للقضاء برفع دعوى قانونية لمتابعة كبار المسؤولين من الإيطاليين والأمريكيين الذين كانت لهم يد في هذا الاختطاف والاعتداء.

فقرر القضاء الإيطالي أن يصدر بجلسة أمس الثلاثاء أحكاما قاسية بحق خمسة من جهاز المخابرات الإيطالية، على الرغم من تقديم محامي الدفاع عن المخابرات مذكرة من رئيس مجلس الوزراء الإيطالي “مونتي” عليها تأكيد بإبقاء سر الدولة وحقوق أمنها على مضمون أوراق الملف لتضع عليها خطا أحمرا لا تمسها يد القضاء. فحكمت على رئيس جهاز المخابرات السابق “نيكولو  بولاري” ب 10 سنوات سجنا وعلى نائبه “ماركو مانشيني” بتسعة سنوات،بعد إعفائهما في شهر سبتمبر 2012 من المحاكمة اعتقادا من بعض القضاة أنهما محصنان ولا يستطيعان الدفاع عن نفسيهما لأن كل الوثائق التي لديهما عليها خواتم وإمضاءات مسؤولين في السلطة وتحمل أسرار الدولة يجب حمايتها اعتبارا لمصالحها وتقديرا لعلاقاتها الخارجية ولا يمكن إفشاءها لأهميتها وشدة حساسيتها .لكن المحكمة العليا بروما لم تهتمّ بهذا الاستثناء وأصدرت قرارا بإعادة المحكمة وتطبيق القانون على كل من اخترقه ولو كان أعلى جهاز في السلطة،على رغم  من تمسك الحكومة بحماية سر الدولة  ورفضها القاطع لمحاكمة أجهزة الاستخبارات الإيطالية.
كما سبق لها أن أعادت الحكم في بداية هذا الشهر لتدين كل من سبق تبرئته بناء على حصانته الدبلوماسية وبذلك أصدرت حكما غيابيا على “جيف كاستيلي” الرئيس السابق والمسؤول عن عمليات الوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في روما بسبعة سنوات سجنا، كما أدين في نفس القضية مسؤولان أمريكييان آخران غيابيا .وتمّت إدانة 23 عنصرا آخرا من الاستخبارات المركزية الأمريكية،كما حكمت بتعويضات للشيخ عمر وصلت إلى مليون أورو  وتعويضا لزوجته حدد في  500 ألف أورو.

بعد انتهاء محاكمة القرن هذه اختلفت التصريحات بين مؤيد ومعارض، فقد أحسّ رئيس جهاز المخابرات الإيطالية السابق بخيبة أمل من قرار المحكمة، وقال بأنه لا يريد أن يقدم الدلائل المكتوبة خوفا من فضح أسرار الدولة لكي يدافع عن نفسه. مضيفا بأنه بريء وجهاز مخابراته لم يكن له يد في هذه الجريمة، مصرحا أن الاختطاف وقع بدون علمه والحكومة الإيطالية والأمريكية تعلم ذلك.

أمّا الإمام أبو عمر فقد صرح بدوره لوسائل الإعلام من مكان سكنه بمسقط رأسه بمدينة الإسكندرية بأنه فرح بهذا الحكم العادل الذي خفف عنه آلام المعاناة التي ما زالت بذاكرته وآثارها ما زالت بادية على جسده،مؤكّدا أنه لا أحد فوق القانون مهما كان مركزه الشخصي والاجتماعي.

ويتمنى أن يحصل على التعويضات التي منحه إياها القانون لمساعدته في التقدم للانتخابات المقبلة كمرشح لمنصب محافظ الإسكندرية.

الغريب في هذه القضية أن قوّة الدولة وسلطتها لم تستطع حماية أجهزة استخباراتها العسكرية من يد العدالة ،ولم تفلح في التعتيم والتستر على جريمة الاختطاف التي وقعت على التراب الإيطالي وعلى يد عناصر ومسؤولين كبار في السلطة.وهذا شيء جميل أن تطبق مبادئ المساواة أمام القانون دون تحيّز  أو تدليس ،معتمدة على تسلسل الأحداث والوقائع دون تقيد و تأثيرات، أو ضغوط وتهديدات ,كما انفردت السلطة القضائية بالاستقلالية ولم تحفل بالتدخل في نطاق اختصاصها ، أو تتأثر وتخضع لضغوطات الرأي العام أو ترضخ لوسائل الإعلام،فالقاضي استند إلى الأدلة الصحيحة ورفض قطعا ما يملى عليه ولم يخش في الحق لومة لائم  حتى وإن كان هذا اللائم هو الدولة نفسها.

الخميس 14 فبراير 2013 21:55
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

استقالة بابا الفاتيكان بين التصريح والكتمان

خطة إيطالية سريعة لإعادة مهاجر مغربي غير قانوني إلى أرض الوطن

Related posts
Your comment?
Leave a Reply