الإسكندرية: وصوت كوزموبوليتاني معاصر

qadaya 0 respond

يسرية سلامة  – لم أكن بالطبع أنوي الإعلان عن إختراع، أو إكتشاف، أو زف خبر جديد لكن فقط أبحث في سر من أسرار  الإسكندرية الكوزموبوليتانية، دفىء وجمال شعبها. نجاح قاطنيها كمجتمع متميز ومتجانس على مر العصور.

 تكونت الإسكندرية القديمة من مجموعة جزر تجمعت مع بعضها البعض، والتي  كان يحدها من الشمال البحر المتوسط أو كما يسمى أيام الفراعنه “البحر المصرى”، ومن الجنوب بحيرة “مريوط”  التى يغذيها فرع “النيل الكانوبى”، وبالرغم من ظهور الإسكندرية قبل الإسكندر بمئات السنين أي في عصر “الدولة الحديثة” إلا أنها لم تكن تُعرف بالإسكندرية إلا بعد ظهور “الإسكندر” الذي كان من عاداته عند الدخول في  أى  إقليم  أن يقوم ببناء مدينة على الطراز اليونانى تحمل إسمه وتكون مصدر إشعاع للثقافه اليونانية حيث يُنسب له عدد من المدن التى لاتقل عن حوالى سبعين مدينة في العالم، منها الإسكندرية في مصر، بعد أن لفت إنتباهه موقعها بكل مميزاتة الإقتصادية والدفاعية والجغرافية، لأنها كانت مجموعة من القرى وأكبرها “راقودة”، و جزيرة “فاروس”،  فأمر المهندس “دينوقراط ” ببناء مدينة تحمل إسمه فى هذا الموقع.

ومن الطرائف التي تحكى في الأثر أنه عند تخطيط مدينة الإسكندرية بالجير الأبيض، نفد الجير فاستعانوا بالقمح لكى يكملوا تخطيط المدينة، فهبط سرب من الطيور وأكل القمح وبعد  ذلك طار، فعندما شاهد الإسكندر هذا الحدث استدعى العرافين واستشارهم فيما حدث فأخبروه أن هذه المدينه سوف تصبح أقوى المدن على مستوى البحر المتوسط وسيذاع صيتها إلى أبعد حد.

وأنشأ خلفاء الإسكندر الأكبر “مكتبة الإسكندرية القديمة”، وذلك منذ أكثر من ألفى عام لتضم أكبر مجموعة من الكتب فى العالم القديم، والتى وصل عددها آنذاك إلى 700 ألف مجلد بما فى ذلك أعمال “هوميروس” ومكتبة “أرسطو”، وفي تلك الحقبة تألق عدد كبير من الحكماء فاق عددهم المائة، حيث كان الفيلولوجيون يدرسون النصوص والنحو بكل تعمّق فبلغت الفيلولوجيا مرتبة كبرى بين العلوم، وكان لها إتصال بعلم التاريخ والمثيوغرافيا، بينما يدرس الفلاسفة بقية العلوم سواء كانوا مفكرين أو علماء،  ومن بين أجيال العلماء الذين تعاقبوا على مكتبة الإسكندرية القديمة وقضوا بها أوقات طويلة للدراسة والتمحيص، عباقرة خلدهم التاريخ مثل: أرخميدس (مواطن سيراقوسة)، ومن ساروا على نهجه “إقليدس”، و”هيبارخوس” الذي طرح نظريته القائلة بجيومركزية العالم فقال أنّ النجوم أحياء تولد وتتنقّل لمدة قرون ثمّ تموت في نهاية المطاف، بينما جاء “أريستارخوس الساموسي” بالأطروحة المعاكسة أي نظرية الهليومركزية (وهي القائلة بحركة الأرض والكواكب الأخرى حول الشمس)، ومن بين جملة العلماء الذين اختلفوا على المكتبة “هيروفيلوس القلدوني” وهو “عالم وظائف” استنتج أنّ مركز الذكاء هو الدماغ وليس القلب، كما كان من روّاد المكتبة الفلكيون “طيمقريطس”، و”أرسطيلو”، و”أبولونيوس البرغامي” وهو رياضي معروف، و”هيرون الإسكندراني” مخترع العجلات مسنّنة وآلات بخارية ذاتية الحركة وصاحب كتاب “أفتوماتكا”، وهو أول عمل معروف عن الروبوتات، وعمل بالمكتبة أيضًا غالينوس الذي ألّف أعمالاً كثيرة حول فن الطب والتشريح، وتعد هيباتيا من أخر أعلام المكتبة وهى فيلسوفة وعالمة رياضيات وفلك ، لكنها للأسف انتهت  نهاية مأساوية على أيدي بعض الكهنة المسيحيين المتشددين آنذاك الذين عذبوها حتى الموت.

واحترقت المكتبة القديمة ودمرت تمامًا أثناء حصار يوليوس قيصر للإسكندرية عام 48 قبل الميلاد، وظل حلم إعادة بناءها وإحياء تراثها العلمي والتنويري للعالم حلم يُراود خيال المفكرين والعلماء فى العالم أجمع في العصر الحديث،  فكانت الإسكندرية تستقبل هجرات دول البحر المتوسط وتستوعبهم لأن مناخها الإجتماعي والإقتصادي والثقافي يسمح بتوفير الحياة بمناحيها المختلفة من عمل ومعيشة.

فرانكو:

“فرانكو” صوت أصيل من الإسكندرية الكوزموبوليتانية، المدينة العريقة التي جمعت في فترة ما، عدداً كبيراً من الجنسيات والحضارات والثقافات والإنتماءات التي صهرت فيها جميعاً مكونة مزيج فريد ونادر أكسبها رونق خاص يتسم بالزهو والبهجة وفي ذات الوقت الصلابة والصمود، وتمتد جذور فرانكو الإسكندراني_ المولود في منطقة الأزاريطة_إلى جده لأمه، حيث هاجر من إيطالية عام 1882م  من القرن التاسع عشر إلى مصر وأقام  بالإسكندرية.

تأثر فرانكو  بالإسكندريه لدرجة قلما أثرت بها مدينة فيمن عاشوا بها، فتشير حياته فيها إلي الهوية الخاصة التي إكتسبها من خلال تجربته  والتي لم تنتفض عنه حتى عندما  ابتعد عنها، بل تمسك بها وتمسكت به، مُعرفاً نفسه كسكندري، حتى بعد مغادرته لها عدة عقود، ثم عودته عودًا حميدًا ثانية دون إنتواء أي مغادرة إلى أن يشاء الله.

كان ومازال فرانكو جريكو يعيش في الإسكندرية الكوزموبوليتانية، وهي تعيش في قلبه وروحه فالكوزموبوليتان هى كلمة لاتينية مكونة من لفظين، كوزموس وتعني الدنيا كلها، وبولس وتعني المدينة، مصر عنده هى “أم الدنيا”، والإسكندرية مدينة الدنيا داخل مصر أم الدنيا.

 يقول فرانكو بعد أن سافر بخياله إلى مساحات من الزمن الماضي أنه من الصعب عليه التمييز ما يحمله من ذكريات الماضي والحنين للماضى: “لقد كنا 30% أجانب في الاسكندرية، ففي عام 1936م بلغ عدد الجالية الإيطالية 28 ألف إيطالي بالإسكندرية لذلك تعددت المدارس الإيطالية  ومنها (الدمبوسكو) التي درست بها”.

 فرانكو هذه الإيطالي السكندري الذي عاش وتربى في مناخ المدينة الكوزموبوليتانية كان يعيش في الإسكندرية مع جيرانه وأصدقائه على إختلاف لغاتهم ومللهم طيلة حياته دون أن يكون الدين أوالعرق محل سؤال لاى منهم،  يضيف قائلاً: كنا لا نعرف ديانة بعضنا إلا حين نذهب لدفن أحد الأصدقاء فتفرض الضرورة فقط  في هذا الموقف معرفة إذا كان المتوفي (مسلم أو مسيحي أم يهودي) . فكانت الحياة الإجتماعية فى الاسكندرية الكوزموبوليتانية تجمعنا فى احتفالات جماعية فى كافة المناسبات الدينية دون تمييز، رمضان، العيد، شم النسيم، ورأس السنة، الحرية متاحة للجميع.

وعندما بادرته بالسؤال.. متى عدت إلى إيطاليا؟ أجاب فرانكو: قصدك سافرت إلى إيطاليا، فأنا إسكندراني  بلدي إسكندرية.

فرانكو جريكو رئيس الجمعية الأهلية لإيطالي مصرANPIE)):  وهي جمعية أهلية تضم الإيطاليين الذين ولدوا في مصر أوالمقيمين فيها منذ زمن اسكندرية الكوزموبوليتانية، وقد أنشأت هذه الجمعية عام 1970م، وهي نتاج انضمام عدة تجمعات مدنية تكونت من إيطالي مصر في عدة مدن ايطالية، وذلك لشعورهم بخصوصيتهم، وتهدف الجمعية الى الدفاع عن المصالح الإجتماعية والإقتصادية لإيطالى مصر الذين عادوا إلى ايطاليا فى مواجهه الحكومة الإيطالية – و التى جاءت عودتهم  عقب قرار التأميم المصرى فى الخمسينات- في محاولة منهم الحصول على كافة حقوقهم المدنية والإجتماعية بأثر رجعي. بالإضافة إلى أن أهداف هذه الجمعية ليست قاصرة على الناحية الإقتصادية فقط بل لها أيضًا أبعاد إجتماعية وإنسانية، فقد كان أعضائها من إيطالي مصر يشعرون بخصوصية ثقافية تميزهم عن أقرانهم في الوطن الإيطالي ذلك لأنهم ولدوا ونشأوا في مناخ مختلف هو المناخ الكوزموبوليتاني السكندري .

وعندما قرر فرانكوا العودة إلى إيطاليا، ركز في بناء مستقبله العملي دون أن ينفصل بروحه وذهنه عن “الإسكندرية”، هذه المدينة التي ظلت نابضة تختلج صدره، وظل مدين لها بالكثير والكثير لأنه برغم مغادرته لها إلا أن نشأته بها جعلته متميز عن إيطالي بلاده، فعاد مثقلاً بالخبرات والثقافات المتنوعة، فضلاً عن إجادته العديد من اللغات فهو وكل إيطالي مصر، كانوا دومًا موضع اختيار لتقلد  الوظائف الشاغرة نظرًا لإجادتهم عدة لغات و تنوع ثقافتهم أى تلك المكتسبات التى خرجوا بها من الإسكندرية الكوزموبوليتانية.

وتدرج فرانكو في العمل الحكومي إلى أن استقر كموظف بالبرلمان الإيطالي حتى بلوغه سن المعاش الذي قرر معه العودة إلى معشوقته الإسكندرية. وخلال حياته فى إيطاليا لم تنقطع علاقته بالإسكندرية، فكان حنينه واشتياقه إليها  يجعله يزورها سنويًا. وأثناء وجوده في إيطاليا  كان دوما عوناً للمصريين بإعتباره إيطالي الجنسية مصري المولد، وبسبب حبه الجم للمصريين ولاسيما السكندريين الذين كانوا دائمًا بمثابة إخواته، عاش معهم أجمل سنوات حياته ولمس طيبتهم النادرة. فمازال فرانكو يذكر تلك الأطباق السكندرية الشهية التى طالما شارك فيها أصدقاءه (الملوخية بالجمبري، والفلافل الإسكندراني)، بينما هو يصنع لأصدقاءه  الطبق الإيطالى الشهى من الـ (باستا).

الإيطاليون:

وهنا يؤكد فرانكو بأنه وبصفته رئيسا لجمعية إيطالي مصر، معني بتاريخ الجالية الإيطالية تحديدًا في مصر ولا سيما في الإسكندرية التي يصفها دائما بأنها مدينته الجميلة.

 يستطرد فرانكو مسهبًا عن تاريخه بمعشوقته الإسكندرية قائلا “نحن الإيطاليون كنا موجودون في مصر قبل الإحتلال الإنجليزي  كمواطنين، وقد توحدنا مع المصريين ضدهم، فنحن الأكثر إندماجًًا وتعايشا مدنيًا  مع الشعب المصري برغم أن الجالية اليونانية سبقتنا وكانت أكبر جالية في الإسكندرية يليها الإيطاليين، ورغم أن الإنجليز كانوا حريصين دوماً على تطويع كل الأجانب ومنهم الإيطاليين تحت سيطرتهم، و بالرغم من أنه دارت العديد من المناقشات والكتابات حول الحرب العالمية الثانية إلا أنه حتى الآن لا توجد كتابات حول مساندة إيطالي مصر للمصريين، ومعاناتهم واعتقالهم في معسكرات اللاجئين فى فايد و غيرها اثناء الحرب العالمية الثانية.

ويضيف موضحًا أنه في هذه الفترة لم يتدهور وضع الإيطاليين في مصر إلى حد الكارثة بفضل السلوك المحب والمساندة الإنسانية من الشعب المصرى لإيطالي مصر، حيث عملوا بتسامح كبير وفي حدود الإمكان على تخفيف وطأة قوانين الحرب على الإيطاليين، وهى المشاعر والقيم التى نمت بشكل خاص خلال الحرب.

 ويُذكر عن العلاقة الخاصة التى تجمع الشعبين، أنه عندما كانت تصل سفينة إيطالية عابرة في ميناء الإسكندرية، كان السكندريون يستقبلونها بحماس متقد مع الإحتفاء بطاقم السفينة الايطالية كإخوة”. 

ويواصل فرانكوا التنقيب في ذاكرة الزمن ليروي لنا شعورالإيطاليين المصريين عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في 1937م، حيث فقد الايطاليون كل ممتلكاتهم وبالرغم من الظروف الصعبة التي مر بها الإيطاليون إلا أنهم  كانو يفضلون الحياة في الإسكندرية، وبعد انتهاء الحرب في 1945م، تمكنوا مرة أخرى من بناء وضعهم الإقتصادى فى الإسكندرية  حتى بلغ عدد مصانعهم (232) مصنع بالإسكندرية، وفي عام  1948م، عندما  قرر المصريين محاربة إسرائيل، ترك  الإيطاليون عملهم مع الإنجليز تضامنًا مع المصرييين ومساندة لهم، وعندما وقعت ثورة 23 يولية عام 1952م كان في الإسكندرية  “ثلاثون ألف” إيطالي، ومع قرار التأميم عام 1961م تم تأميم كل المصانع الإيطالية وبالتالى فقد الايطاليون مجدداً  كل أملاكهم .

 ويضيف فرانكو، رغم هذه الأوضاع السياسية فقد ظلت العلاقة بين المصريين والإيطاليين حميمية، وفضل بعض الإيطاليين المولودين في الإسكندرية البقاء فيها بينما غادرت الغالبية خاصة من الشباب لإيطاليا، حيث عادوا إلى  بلادهم صفر اليدين.

واستمرت الجالية الإيطالية في مصر لكن قل عددها بعد قرار التأميم كما ذكرت آنفًا وتبقت قلة قليلة، تبلغ الآن (1000 ألف) إيطالي في الإسكندرية، منهم (200) مصري إيطالي  “سكندري كوزموبوليتاني”، و 800 مصريين يتمتعون بالجنسية الإيطالية.

وتبقى الاسكندرية منارة الثقافات

ويرى فرانكو  كسكندري إيطالي وجوب ألا نحاول إستعادة  الإسكندرية بمفهومها الكوزموبوليتاني القديم نظرًا لاختلاف الزمن  فمستجدات اليوم تجعلنا أمام مدينة الإسكندرية بأوضاعها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية، التى لا تسمح بإستقبال الهجرات الأوروبية من شمال البحر المتوسط كسابق عهدها، لذلك فهى تصلح كمدينة متعددة الثقافات تتعايش فيها الثقافات المتنوعة multi-culture.

قرر فرانكو  في محاولة لإستعادة حنينه وذكرياته بأن يمارس نشاطه المدني في الإسكندرية والذي تصادف مع محاولة الإسكندرية العريقة إستعادة بريقها كمنارة للعلم، وعاصمة للثقافة العربية من خلال “مكتبة الإسكندرية الحديثة” التي تحقق حلم إعادة بناؤها، والقيام بدورها التنويري المنشود.

الثلاثاء 4 سبتمبر 2012 21:24
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

حسن مضياف : قبح الله الفن و الفقر

أهلا و سهلا في عالم الأموات

Related posts
Your comment?
Leave a Reply