الامينة العامة للاشتراكي الموحد في حوار لجريدة المساء : حركة 20 فبراير جاءت لإيقاف مسلسل العبث السياسي في بلادنا

qadaya 0 respond

*الأداء الحكومي بعد مرور أكثر من سنة، كيف ترونه؟

الأداء الحكومي في جانب كبير منه مرتبط بالمجال المفتوح لممارسة سلطة الحكومة.ففي البلدان الديمقراطية، الحكومة لها كامل السلطات من أجل أن تضع برنامجا محددا باختيارات  و توجهات واضحة في جميع المجالات وهو ما يمكن من محاسبتها على مدى تطبيقها أو عدم تطبيقها للبرنامج المعلن. وبالتالي فإن أول نقطة مطروحة بالنسبة لحكومتنا هي المجال الذي تتركه السلطة الملكية لهذه الحكومة، من ناحية أخرى هذه الحكومة هي حكومة ائتلافية غير منسجمة مشكلة من أحزاب ذات مرجعيات مختلفة، إذا هناك استحالة وضع برنامج منسجم أو بالأحرى  تصور واضح لسياسة هذه الحكومة.الحكومة في حالة ارتباك،تعتمد خطابا شعبويا لكن توجهاتها و تدابيرها لاشعبية: زيادة في ثمن المحروقات و بالتالي ضرب القدرة الشرائية، المتدهورة أصلا، لعموم المواطنات و المواطنين، اللجوء إلى الديون الخارجية مع ما يمكن أن يترتب عن ذلك من رهن لسيادة الدولة، ثم قمع الحركات الاحتجاجية، عوض الاستجابة لمطالبها المشروعة. الحكومة منسحبة، في ما يخص الاختيارات الاستراتيجية ، و تفتقد للتخطيط لللإصلاحات التي أضحت أساسية، لتفادي الااستقرار الذي يهدد البلاد و غير قادرة على التقليص من الفوارق الطبقية و المجالية. المسألة الثالثة التي تسمح أو لا تسمح بتطبيق برنامج الحكومة هي الإمكانيات المادية و هنا نتساءل عن مدى إمكانية الحكومة على خلق ثروات جديدة، عبر إصلاح النظام الضريبي،و صناديق التقاعد و صندوق المقاصة، واسترجاع الأموال المنهوبة الذي يتطلب محاربة الفساد و إصلاح القضاء من أجل وضع حد للإفلات من العقاب. الورش البالغ الاهمية ، الذي يجب أن يحضى بالأولوية هو إصلاح التعليم،نظرا للدور الأساسي لتكوين الإنسان في بناء التنمية، و الذي تبدو فيه الحكومة، فقيرة لا من حيث التصور و لا من حيث الأفق بالنسبة للمدرسة و الجامعة العمومية و البحث العلمي؟ إنها قضايا أساسية لنرى مدى عمل الحكومة أو لنتكلم عن أداءها.

فنحن في المغرب لا نعيش ديمقراطية حقيقة، ليس هناك فصل حقيقي للسلط والمجال المتروك لرئيس الحكومة مجال ضيق، ولكن رغم ذلك أظن أن المرحلة التي يمر منها المغرب اليوم والتي نحن نعتبرها مرحلة جديدة، جاءت بعد حراك شعبي عارم عرفته المنطقة العربية والمغاربية ومن ضمنها المغرب من خلال حركة 20 فبراير، كنا ننتظر بأن هذا المجال الذي نعرف أنه ضيق وشبه منعدم أنه سيفتح وأننا سننتقل من مؤسسات الواجهة إلى مؤسسات حقيقة وأننا سننتقل من سياسة التعليمات إلى سياسية اخذ المبادرة، إلى التخطيط الاستراتيجي وإلى تحمل المسؤوليات و الاستعداد للمحاسبة.

*نفهم أنكم غير راضون وأن حكومة الظل هي التي تحكم بالمغرب؟

نلمس أن المغرب أخلف مواعيد عديدة مع الإرساء الحقيقي للديمقراطية ومع بناء مجتمع المواطنة ومع تحقيق العدالة الاجتماعية منذ الاستقلال، واليوم ضاعت فرصة على المغاربة ، للاصلاح العميق و الشامل و تأهيل البلاد لمواجهة التحديات الداخلية و الدولية ولانطلاقة جديدة عام 2011 التي تحرك فيها المغاربة كما تحركت شعوب المنطقة لكن التحرك المغربي كانت له سمات خاصة، حيث أنه كان حراك أعلن عن نفسه منذ البداية على أنه حراك سلمي، يطالب بالملكية البرلمانية بالمعايير الدولية،، يطالب بسلطة شعبية حقيقية حتى يمكن من ممارسة هذه السلطة وننتقل إلى مغرب الديمقراطية حقيقة و الحداثة والمواطنة الكاملة، لكن النظام، لايؤمن بالاصلاح و لا يستمع لصوت الشعب المطالب  بالقطع مع منطق البيعة والتعليمات و التأسيس لمنطق التعاقد الحضاري بين الدولة و المجتمع، الذي سيصالح المغاربة مع الشأن العام ومع الممارسة السياسية.

*هل معنى ذلك أن المغاربة لا يثقون في السياسة؟

إلى حدود تنظيم الانتخابات السابقة لأوانها في نونبر2011 فالمغاربة، لا يشاركون إلا بنسب هزيلة في الاستحقاقات المتتالية ( أقل من 30 بالمائة)، لا يثقون في السياسة حيث يعتبرونها لعبة مغشوشة، و في كل الأحوال لا تأثير لنتائجها على أوضاعهم و حياتهم،( أولاد عبد الواحد كلهم واحد، المحرك هو المصلحة الخاصة و ليس المصلحة العامة و تحمل الأمانة بصدق و مسؤولية) لا يثقون في الأحزاب (خلط الحابل بالنابل و ثم التمييع الممنهج للعبة السياسية من قبل النظام و بتواطؤ نخب فاسدة، منبطحة، تتستر وراء مقولة الحفاظ على الاستقرار، و كأنه محكوم علينا أن نستقر في التخلف و التبعية، بينما العالم من حولنا يعرف دينامية و مزيدا من الحقوق و الحريات و التقدم )، بل أكثر من هذا ليست هناك ثقافة ديمقراطية ننميها في الناشئة عبر المدرسة أو عبر وسائل الإعلام، فالمغاربة متخاصمون مع السياسة ومع كل الأسف فمرحلة الحراك الشعبي التي،قادتها حركة 20 فبراير لم تستثمر ولم تتم الاستجابة لمطالبها، بل وعلى العكس من ذلك تم الالتفاف على هذه المطالب كما تم بالأمس الالتفاف على مطالب اليسار الذي كان يشكل المعارضة القوية في البلاد. فنحن نرى بأن النظام السياسي في بلادنا لا يقبل بروز أية قوى معارضة ولا يعرف معنى الاستماع إلى صوت الشعب كي يجيب على طموحاته ومن تم يحافظ على الاستقرار والأمن المجتمعي بل بالعكس من ذلك يقابل صوت هذا الشعب بالتجاوز وبالقمع.

*هل يمكن القول إنه تم استغلال الربيع العربي لإنهاء هيمنة اليسار  والصعود بالإسلاميين إلى السلطة؟

في الحقيقة إنهاء هيمنة اليسار بدأت قبل الحراك العربي لأننا كنا نعيش ردة سياسية غير مسبوقة في بلادنا لأنه بعد الأمل الذي كانت خلقته حكومة التناوب التوافقي عام 1998، ولو أننا كنا ضد مشاركة اليسار آنذاك كقوة معارضة لها أطر وبرنامج مجتمعي متكامل أن تساهم إلى جانب أحزاب إدارية لا مصداقية لها وأكثر من ذلك نحن كنا متخوفين من هذه المشاركة جدا بحيث أن مشاركة الاتحاد في حكومة التناوب التوافقي كانت بدون أن ينتزعوا ضمانات حتى يتمكنوا من تطبيق برنامجهم أو جانب كبير من برنامجهم وكنا نرى أن هناك التفاف، وبالفعل التف النظام على هذه المعارضة التي أفقدها الكثير من مصداقيتها في المجتمع وتم مباشرة بعد سنة  2002 إجهاض  كل ما سمي بمسلسل الانتقال الديمقراطي( 1996-2002) وبعد ذلك جيء بحزب الدولة “القوي” وكنا نرى أن المغرب يسير في تطبيق سيناريو قديم بإخراج جديد استعملت فيه أدوات قوية هذه المرة حيث تابعنا خلال الاعداد لانتخابات 25 نونبر2011 أن حزب الأصالة والمعاصرة شكل، إلى جانب أحزاب أخرى من كل فج عميق، “جي “8 ، في  ما يشبه التأمر على طموحات الشعب في الانعتاق و بناء الديمقراطية و تحقيق العدالة الاجتماعية. فنحن نتكلم عن ردة سياسية خطيرة  ولا أدري إن كان المسؤولون في أعلى السلطة، واعون بالظرفية الجديدة التي تعرفها المنطقة و تداعياتها على بلادنا و المفتوحة على امكانية ردة فعل، تقتضي القطع مع مقاربة القمع و التحكم، لأن هناك تنامي كبير للوعي وهناك تعبئة وهناك حركات احتجاجية تخرج كل يوم للشوارع في المدن والقرى بعد أن فقدت الأمل وأخطر شيء يمكن أن يقع فيه شعب ما هو أن يفقد الأمل في مؤسساته وفي نظامه وأن يرى بأنه عاجز تمام العجز للاستجابة على طموحاته المشروعة في العيش الكريم.

*حققت حركة 20 فبراير مكاسب في البداية وراهنتم عليها، اليوم نرى أن بريقها خفت هل كان راهنا فاشلا ؟

إن حركة 20  فبراير جاءت لإيقاف مسلسل العبث السياسي في بلادنا وقوبلت تلك الحركة بالمواجهة القوية من قبل المخزن كما واجه بالأمس القريب اليسار. الحركة جاءت تحمل شعارات ناضل من أجلها بالأمس القريب اليسار وواهم من يعتقد أن الحركة تراجعت بعدما قررت حركة العدل والإحسان  أن توقف عملها فيها، الحركة  ستظل مستمرة مادامت شعاراتها قائمة الذات ولم تتم الاستجابة لها، ومادام الدستور المعدل لم يحسم بشكل واضح باتجاه الملكية البرلمانية بالمعايير الدولية.

نحن نراهن على بروز تيار ديمقراطي قوي  قادر أن يحتضن حركة 20 فبراير بإخراج جديد لأننا واثقون في ابتكار وإبداع الشباب المتمكن من أدوات التواصل، ونثق في هذه الحركة وفي إمكانية إعادة نهضة جديدة لهذه الحركة. ولكن نرى أيضا أن النظام لعب دورا كبيرا في تمييع الحياة السياسية، عبر تفتيت الأحزاب، و خلق أحزاب موالية له، تفتيت النقابات وخلق جمعيات لا طائلة من وراءها وتستفيد من المنفعة العامة كل هذا جعل أنه عوض أن نترك المجتمع المدني يفرز مؤسسات قوية قادرة على الدفع باتجاه البناء الديمقراطي بشكل سلمي نحن نحارب كل مبادرة قوية و متقدمة، لأن النظام له فوبيا مما يسمى بالقوة المضادة “contre pouvoir “. علما بأن الديمقراطيات الراسخة، تستفيد من القوى المضادة من أجل التقويم و تطوير الديمقراطية.

*ألا تتخوفون من أن يحصل نفس الشيء مع حركة 20 فبراير؟

نحن نثق في هذه الحركة وهذه الحركة تحمل مشروعا كبيرا وكذبت كل الأطروحات القائلة بأن الإنسان المسلم العربي الأمازيغي   “لم يعد له أثر” ولم يعد قادرا على الانتفاض، و التعبير عن غضبه أمام تنامي الظلم الاجتماعي، لهذا الغرض  وحتى نؤثر في موازين القوى وحتى ندعم هذه الحركة والحركات الاجتماعية الأخرى لتقف في جبهة متراصة ضاغطة  من داخل مؤسسات، يجب أن تتوفر على المصداقية اللازمة، والمحتجة  في الشارع، الذي أصبح ساحة للاصطدام، عوض الاحتجاج السلمي، بين المحتجين الذين يمارسون حقا دستوريا، و تسخير البلطجية إلى جانب قوى القمع لارهاب الحركات الاحتجاجية ، نحن نناضل على واجهات متعددة و نعمل مع حلفائنا و منفتحين على القوى الديمقراطية، لخلق جبهة ديمقراطية لبناء مغرب العدالة الاجتماعية فلا يعقل أن 34 مليون نسمة، ثلث ساكنتها عيشها لا يطاق ( مشاكل الولوج إلى الخدمات الاجتماعية: الأمية، البطالة، السكن الغير اللائق، مليون و800 ألف تعيش في دور الصفيح، الفوارق تزداد اتساعا والريع و الفساد، يمركز الثروة في يد أقلية قليلة، بينما تتسع دائرة الفقر و الحرمان و التمييز، ما دمنا نفتقرلنظام ديمقراطي،  يضع أسس دمقرطة المجتمع و تحقيق التوزيع العادل للثروة .

*بحديثكم عن الريع تقولون دائما أنه نظام امتياز لضمان الولاء؟

الريع موجود في كل مكان، و يشكل سدا مانعا أمام كل إمكانية لإقلاع الاقتصاد الوطني و هو مقرون بنظام الامتيازات واستغلال النفوذ، فساد منتشر،ضيع على بلادنا فرص لتحقيق التنمية،حيث أصبح ظاهرة ثقافية خطيرة، استعملت من أجل تأدية واجب الطاعة لأن النظام الذي لا يكون ديمقراطيا يحيط نفسه بدوائر المستفيدين، حتى تبقى متضامنة مع هذا النظام  لكي لا يباشر الإصلاحات الضرورية الأساسية التي تنتظرها البلاد لضمان الالتحام و السلم المجتمعي.

فمادام النظام المخزني لم يتغير و أسسه قائمة في ظل غياب فصل حقيقي للسلط ومادام  لم يباشر بجدية وشجاعة الإصلاحات الشاملة،   فهناك استمرارية في عمل هذه الحكومة، التي سيتم تمرير،من خلالها، لما سيساهم في إضعافها كما تم إضعاف اليسار الذي شارك في  حكومة التناوب التوافقي بالأمس القريب.

*لكن الحكومة الحالية أفرجت عن لوائح مأذونيات النقل ومقالع الرمال؟

مسألة نشر لوائح مأذونيات النقل ومقالع الرمال ،يجب أن تتم في إطار خطة متكاملة لمحاربة الفساد. وننتظر أيضا نشر لوائح استغلال رخص الصيد في أعالي البحار والكف عن مجالات الاحتكار و نهب المال العام وغيرها،  نرى أن الحكومة خطت خطوة ولكنها توقفت بعد إعلان رئيس الحكومة “عفا الله عما سلف” . الحكومة يجب أن تفي بما أعلنته في تصريحها الحكومي، و أن لا تتراجع أمام أول عقبة و إلا وجب عليها أن تعلن عن عجزها و أن تقدم استقالتها. فالمجلس الأعلى قدم تقرير 2010 يجب وضع الملفات التي شابتها اختلالات، بين يدي القضاء للمساهمة في إعادة  الثقة  للمغاربة والتأكيد على الانتقال من مرحلة الإفلات من العقاب  إلى مرحلة التأسيس لبناء دولة الحق والقانون.

*هذه النظرة السوداوية يلزمها عمل قوي، لكن الملاحظ أن علاقة اليسار الذي تتقاسمون نفس أفكاره باردة ومشتتة ؟

نحن جزء من هذا اليسار الذي نفتخر بالانتماء إليه و ننهل من منبعه الذي يهدف إلى تحرير الإنسان و الذي تبنى كل ما أنتجه الفكر الإنساني الحضاري التنويري لبناء مجتمع المواطنة و الكرامة والعدالة الاجتماعية.اليسار يعرف أزمة، جعلته في عدم الجاهزية لاحتضان  الحراك الشعبي الذي عرفته بلادنا في2011 و الدفع به إلى تحقيق أهدافه المعلنة في الدمقرطة  .

إن اليسار الذي شارك في الحكومة تم إضعافه، واليسار الذي لم يشارك تم إضعافه كذلك بعد أن استطاعت الدولة استقطاب بعض من نخبه,و تمييع الحياة السياسية الشيء الذي أدى إلى فقدان ثقة المواطنين و ضعف تعبئتهم نظرا لغياب المصداقية، بعد غزو النخب الإنتهازية، للمجال السياسي.

اليسار واع اليوم بضرورة إعادة التأسيس و إعادة البناء للتصدي للأزمة السياسية، المتجسدة في غياب الديمقراطية، و توضيح مشروعه المجتمعي و تحديد إستراتيجيته المستقلة عن إستراتيجية النظام  و عن إستراتيجية الأصولية.

اليسار يجب أن يستجمع قواه  على أساس برنامج واضح للنضال الديمقراطي بهدف تحقيق التغيير الديمقراطي المنشود. وأن يدفع باتجاه قيام ثورة ثقافية، للحد من الردة القائمة ولتوفير شروط التغيير.

بالنسبة لمسألة النظرة السوداء، فهذا يدخل ضمن التشويش على اليسار و تغليط الرأي في محاولة لإسكات صوت الحق، فليس هناك من لديه أمل في هذا البلد أكثر منا،  لكن الأمل يجب أن يبنى على أسس قوية فلكي تحافظ بلادنا على السلم المجتمعي والتلاحم يجب أن نفضح  بؤر الفساد، و أن نقترح لبدائل لنتقاسم خيرات البلاد بين أولادها وبناتها وأن يتحقق العدل لأنه حجر الزاوية في أي تقدم. أرى أن كل ما أتيحت لنا فرصة للانتقال إلى الديمقراطية الحقيقية وننتقل بالمغاربة من رعايا إلى مواطنين كاملي المواطنة ،وألا تتجند القوى المحافظة و لوبيات الفساد والمتملقين لإجهاض كل إمكانية النهوض و التقدم لأنها ترى فيه تهديدا لمصالحها، المتعارضة مع مصالح  تطلعات الشعب. يجب أن تكون لدينا الشجاعة الكاملة للتنديد بكل ما هو غير صائب و النضال من أجل القطع مع الاختيارات الغير ديمقراطية. النظام المخزني يتحكم في مجمل السلط، و الحكومات المتتالية ظلت ضعيفة المناعة و لا جرأة لها.  حزب العدالة والتنمية، الذي يترأس الحكومة الحالية، “لا يريد إغضاب الملك” ونحن نقول له يجب أن ينتبه كذلك إلى عدم إغضاب الشعب الذي ينتظر التغيير .

*تتحدثين عن غياب انتقال ديمقراطي هل يمكن تحقيق انتقال ديمقراطي في غياب جهد للنضال من أجل الانتقال الديمقراطي؟

النضال الديمقراطي يجب أن يستمر لتحقيق التغيير الديمقراطي المأمول ، لم يحدث أن نظاما غير ديمقراطي، تحول إلى نظام ديمقراطي دون وجود قوة مضادة قادرة على فرض التغيير، يجب أن يكون هناك التحام واسع حول مشروع النضال الديمقراطي و تحريك الدعامات الأساسية من نقابات و جمعيات حقوقية و نسائية و أمازيغية و مثقفون و طلبة…للضغط من خلال  النضال الجماهيري  و السياسي الممارس من خلال  الشارع و من داخل المؤسسات التي يجب  أن تخرج من صناديق الاقتراع وفق شروط تضمن النزاهة و الشفافية و بالتالي ترجمة الإرادة الشعبية إلى سلطة شعبية.

النضال الديمقراطي يتطلب التوفر على تعددية حقيقية و بالتالي أحزاب ذات مصداقية. كحزب اشتراكي موحد، كنا أول مبادرين إلى  تجميع أحزاب يسارية و إلى مأسسة التيارات داخل الحزب، ولكن الغريب في الأمر  أنه قبل التوحيد كمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي تقدمنا إلى الانتخابات عام 1997 وحصلنا على نسبة مهمة من أصوات الناخبين وفي عام 2002 بعد التوحيد حصل حزبنا   على نسبة أقل من أصوات الناخبين، في محاولة لمحاصرة حزبنا لأن النظام لا يريده أن يبرز كقوة بديلة و ثم ،مرة أخرى، التحكم في الخارطة السياسية و تهميشنا، حتى يظل التخطيط المخزني الأكثر احتمالا و “البديل” الوحيد المقبول من أجل الاستقرار و الاستمرار.

*هل تقصدين وزارة الداخلية ؟

 وزارة الداخلية، هي جزء من النظام، وهي تتحكم في صنع الخريطة السياسية وضبطها، وهذا من ضمن الأسباب التي جعلت 25 في المائة من الشعب المغربي فقط هي التي تشارك في عملية التصويت والأغلبية لا تصوت لأنها تعي بأن اللعبة السياسية مغشوشة. إن مصالحة المغاربة مع الانتخابات وإعادة بناء الثقة المفقودة كان ممكنا، لو استغل المغرب الفرصة التي أتيحت عام 2011 للانتقال إلى الملكية البرلمانية بالمعايير الدولية ووضع دستور يكرس ذلك. كان المغاربة سيعدون إلى صناديق الاقتراع بالملايين لأنهم سيقتنعون بأنها ستكون بداية لبناء الديمقراطية التي طال انتظارها رغم التضحيات الجسام التي قدمها الشعب المغربي وفي مقدمته القوى اليسارية و الديمقراطية.

نحن لسنا ضعفاء لأن العملية الانتخابية، متحكم فيها،  يواكبها تزوير ونزول قوي للأعيان وشراء الذمم والشعب الذي لا يصوت فقد الثقة ولم يعد يعبأ للعملية الانتخابية وكل هؤلاء يمكن أن يشكلوا  المساندون لمشروعنا لأن غالبية الشعب تطمح للتحرر و المواطنة والكرامة و العدالة الاجتماعية و هي بذلك اشتراكية.

*لكن هناك من يؤاخذ عليكم أن حزبكم هو حزب نخبوي وليس له قاعدة جماهيرية؟

في سبعينات وثمانينيات  القرن الماضي كان اليسار، مساند من قبل فئات واسعة “شعب اليسار” بدون أن يدق أبواب البيوت عندما يتخذ موقفا الكل كان يساند. ولو لم يكن يواكب العملية الانتخابية آنذاك التزويرو الضبط بكل الاليات، لكان اليسار مكتسحا للمؤسسات المنتخبة. الأحزاب اليسارية   ووجهت بالقمع الشديد أثناء سنوات الرصاص، وكان هناك احتراز من كل وافد جديد داخلها، خوفا من اختراق المخزن لها، كما أن تراجع المد التلاميذي و الطلابي، بعدما تم تسخير الشبيبات الاسلامية لمحاربة اليسار  في مواقعه، فبدأت حينها مرحلة جزر ازدادت حدتها مع انهيار جدار برلين. بعد هذه المحطة ستشكل الكثلة الديمقراطية، التي وضعت ميثاقها للتأكيد على  ضرورة مباشرة الاصلاحات الدستورية و السياسية في المغرب لتجاوز الأزمة. رغم وعي النظام بخطورة المرحلة، لم يحصل تعاقد مع المؤسسة الملكية يحدد القواعد التي من شأنها إنقاذ  البلاد. ثم بعدها وضع دستور 1996 الذي لم يستجيب للحد الأدنى من مطالب الكثلة، رغم ذلك و لأول مرة صوتت المعارضة اليسارية بالإيجاب، باستثناء منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي قاطعت الإستفتاء على هذا الدستور الممنوح.كانت هذه نهاية الكثلة. انطلق حينها مسلسل ما سمي بالانتقال الديمقراطي الذي استمر إلى 2002،  ترأس السيد عبد الرحمان اليوسفي حكومة التناوب التوافقي التي شكلت مرحلة انفتاح سياسي وليس انتقال ديمقراطي، دون أن يحصل التغيير المنشود. مرحلة ، رغم بعض الانجازات الهامة خاصة في مجال الحقوق، كانت لها أثار وخيمة على اليسار الذي تراجع صداه في المجتمع، بينما احتلت قوى محافظة مواقع متميزة و استطاعت أن تحشد دعما شعبيا، باستغلالها لعامل الدين و حساسية المغاربة تجاه الدين الإسلامي. ثم إغلاق الحق السياسي و إعادة إخراج لحزب الدولة الجديد، القديم ، الشيء الذي عبر عنه المغاربة بمقاطعة عارمة لانتخابات 2007 حيث لم تتعد نسبة المشاركة 20 بالمائة و 25  بالمائة  في 2011.

نحن نعتبر أن المشروع المجتمعي الذي يناضل من أجله حزبنا، يشكل أحسن عرض سياسي في المغرب لكن خطابنا ظل نخبويا لا يخدم مشروعنا، و لا يصل إلى عموم الشعب وإلى عمق الجماهير، التي نحمل مشروعا من شأنه أن يعبئها و أن تجد فيه الجواب على طموحاتها و انتظاراتها. المرحلة، محطة لإعادة التأسيس و البناء، مع تجديد الفكر و الخطاب، واعتماد أدوات حديثة للتنظيم  الفعلي الميداني و التواصل وخصوصا بناء جسور جديدة و تقوية المتقادمة منها تجاه عموم المواطنين و كل القوى التي لها مصلحة في التغيير الديمقراطي و دول القانون.

*اليوم الحركات الإسلامية كلها لها عمق جماهيري لماذا ؟

الحركات الإسلامية استطاعت أن تنفذ إلى عمق المجتمع،لأن هناك ظلم اجتماعي كبير ومن نتائجه تنامي ظاهرة التدين في المجتمع وهذه الحركات تلعب على وثيرة الدين الحساسة، و تستفيد من فقدان ثقة المواطنين في إمكانية النخب السياسية الفاسدة أن تغير من أوضاع المحرومين. فضلا على أن الحركات الإسلامية، لها امتدادات حتى خارج الحدود،  تسمح لها ب”الإحسان و الصدقة” و بالتالي تشكيل كثلة ناخبة مهمة.

اليسار واع بضرورة تطوير التواصل مع الناس ولكن، دائما  في ظل صون كرامتهم، وتوعيتهم و جعلهم قادرين على الدفاع عن مصالحهم.

اليوم لدينا ضعف وقصور كبير في النخب في كل المجالات حتى النخب  السياسية، التي استبدلت بالتقنوقراط. الجامعة التي كانت تساهم في التكوين و التأطير في الماضي القريب و التي أنتجت أطرا و نخب سياسية، تراجع دورها بعدما، اجتازت الردة الفكرية أسوار الجامعات التي تعرف ما يشبه اصطدام الثقافات: قذف و تكفير ثنائية أبيض وأسود لا ثالث لهما ، و ضاعت مركزة العلم و المعرفة في متاهات هوياتية و نقاشات عقيمة.

*هذا يحيلنا على تصريح لك قلت فيه إن المساجد أصبحت ملاذا للشاب الذي لا يستطيع أن يؤدي فنجان قهوة على صديقته واتهامك بالتكفير؟

خلال مداخلتي التي دامت ما يقارب الساعة  تم اقتناص  30 ثانية، ومعروف عني أنني لا أتحدث لغة الخشب و أعتمد الصدق لأنني لا أنتظر جائزة شخصية أو مصلحة ذاتية أنا أدافع عن مشروع مجتمعي انطلاقا من قناعاتي ومن ثقتي في صحة ما أدافع عنه.

إن فشل المنظومة التربوية وقلة فرص الشغل بعملي مع رفيقاتي في الميدان نرى أن عددا كبيرا من الشباب، بسبب عدم توفر مكتبة ولا دور شباب ذات البنايات المهترئة والتي تخلت عنها الدولة ولا على ملعب، عاد إلى التدين إذا كان من أجل الغذاء الروحي والفكري فلا بأس لكن إذا كان من أجل التطرف فلا. بالمقابل نجد شباب آخرون غارقون في المخدرات التي أصبحت تباع أمام أبواب المدارس الثانوية والإعدادية وحتى الابتدائية. إذا السؤال لماذا نتخلى عن هؤلاء وهم شباب المستقبل.

الذين يسهرون في السجون ومخافر الشرطة يجب تكوينهم على حقوق الإنسان وعليهم أن يفهموا أن كل مواطن هو البلد وأن ذلك الطفل المشرد  لو تم إنقاذه اليوم سيصير مواطن الغد وليس عالة على المجتمع. للأسف ليس لدينا مجتمع متضامن.

وماذا عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؟

 المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أعطت بعض النتائج لكنها ليست المدخل من أجل مجتمع متضامن. أقول إن التضامن يجب أن يكون سياسة دولة وبكل أسف قمنا بتدمير التضامن من خلال كسر الاختلاط المجتمعي  وأكبر دليل عنها عندما قمنا بتخريب المدرسة العمومية والجامعة العمومية.

*على ذكر التعليم لم تتفقوا مع إعلان وزير التعليم العالي رغبته في إلغاء هذه المجانية؟

لكي نبني مجتمعا فإن المدخل هو الديمقراطية السياسية والهدف هو ديمقراطية اجتماعية في كل جوانبها والمدرسة يجب أن تكون أداة لتكافؤ الفرص والمدرسة هي الأساس لتقليص الفوارق لأن الانسان هو الذي يبني التنمية و المغرب يعاني من ضعف مهول في الكفاءات المتنوعة ومنها الكفاءات السياسية. ماذا فعلنا بمدرستنا؟ منذ سنوات ونحن نتكلم عن الاصلاح لكن ما حصل هو تشجيع التعليم الخصوصي على حساب التعليم العمومي وأفرزنا أولاد الفقراء في المدرسة العمومية وهو ما يسمى بلغة موليير “تدمير الاختلاط المجتمعي” بين أبناء الفقراء والأغنياء، وهذا بدأ منذ سنوات طويلة عندما وقع المغرب على الاتفاقية العامة للتجارة والخدمات التي وضعتها المنظمة الدولية للتجارة التي تقول بالحرف  يجب خوصصة كل القطاعات بما فيها المدرسة، ونحن نقول إن المدرسة والصحة يجب أن تكونا عموميتين وجيدتين إذا أردنا ألا نكون تابعين ومستهلكين ونبقى في مؤخرة الشعوب.

تصريحات الوزير تنم على أننا نعيش ردة  فكرية خطيرة، أستغرب من تصريح الوزير عندما قال أنه “ماخصنا ما نديرو بكلية الآداب” هل يعقل ذلك؟ الآداب هي اختصاصات متشعبة، بحث علمي،  فلسفة، لغات ، علوم اجتماعية، تاريخ، جغرافيا،  سوسيولوجيا، انتربولوجيا،تطورات المجتمعات ،أداب تنمي الفكر والحس النقدي و الثقافة و الابداع  أي كل العلوم و المعارف التي تجعل الفرد يتطور ليصير مواطنا ناجحا،فاعلا في بناء مجتمعه وتطوير محيطه  .

أستغرب عندما يقول السيد الوزير أن البحث العلمي ترف علما أن المغرب يتوفر على باحثين مرموقين في العديد من التخصصات و المجالات. المؤسسة التي أنتمي إليها( كلية العلوم عين الشق-جامعة الحسن الثاني بالبيضاء تضم  أساتذة في علوم مختلفة نالوا جوائز دولية مهمة وآخرون صنفوا من ضمن 100 باحث الأكثر تأثيرا في العالم .داخل المغرب و خارجه هناك أسماء باحثين تشرف المغرب  براءات والاف الابحات و الابتكارات، تنشر في أهم المجلات العلمية، هؤلاء جميعا من أبناء الشعب وقرؤوا بإمكانياتهم في مدرسة عمومية  و اخرون لا زالوا يناضلون من أجل سياسة للبحث العلمي و امكانيات للتمويل و تشجيع الباحثين حتى نحد من التبعية ونصبح منتجين للعلوم و ليس مجرد مستهلكين متخلفين.

إذا مضينا في هذه السياسية التي لا تخلق مناصب شغل في التعليم العالي لأن عدد كبير من الأساتذة الباحثين سوف يحالون على التقاعد 2015/2016 من سيخلف هؤلاء؟ ستتحول الجامعة إلى مدرسة لتدريس الكباربدون بحث علمي و لا جودة.

*تفتحون  مقراتكم لحزب البديل الحضاري، هل تعدونه نموذجا للحزب الإسلامي الديمقراطي؟

الإخوان في حزب البديل الحضاري يقولون إن مرجعيتهم هي الإسلام، ولكنهم يؤمنون بالديمقراطية لأن المجتمع متنوع و مرجعياته مختلفة، المكونات السياسية الديمقراطية تتباري ديمقراطيا و الحسم  لصناديق الاقتراع. نحن نعادي من يعادي الديمقراطية و نؤمن بالحرية كما قال فولتير ” قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد أن أموت حتى تعبر عن رأيك “.

*نعرج على ملف الصحراء، لماذا ترددون دائما أن المغرب أخلف مواعيد عديدة لتسوية هذا الملف؟

أولا أقول بأن ملف الصحراء كان من الممكن أن يحل مباشرة بعد الاستقلال، لكن تآمر القوى الأجنبيةالمستعمرة حال دون أن يتم تحرير جنوب المغرب من طرف جيش التحرير الذي حل وتم خلق القوات المسلحة الملكية. وبعد الاستقلال لم يرغب المغرب في ترسيم الحدود  إلى حين استقلال الجزائر، وبعدها كان من الممكن حل هذا الملف في محطات متعددة لكن انفراد النظام بهذا الملف وطريقة تعامله مع هذا الملف جعلت موقف المغرب يضعف لأن النظام تعامل بسياسة مقاربة الأعيان والاعتماد على القبيلة ومنح الامتيازات والتعاطي الأمني القمعي مع المناطق الجنوبية.

إن المدخل الأساسي لحل ملف الصحراء هو الديمقراطية.   إذا بنينا ديمقراطية  و أسسنا لمؤسسات وطنية  ديمقراطية  تتمتع بمصداقية تعبر عن الإرادة الشعبية إذا توفرنا محليا وجهويا على مؤسسات تتمتع بالمصداقية وتتيح فرصة التنمية الجهوية والمحلية سنتمكن من  تنمية وطنية, و العمل على التوزيع العادل للثروة إذا كان لدينا قضاء مستقل ونزيه وقطعنا نهائيا مع سياسة الإفلات من العقاب سنكون أقوياء بجعل المنتظم الدولي يحترم موقف المغرب و يدفع باتجاه حل سياسي دائم يفتح افاق بناء المغرب الكبير أمل الشعوب في الانعتاق و التقدم.

حاورتها  سميرة العثماني

الثلاثاء 4 ديسمبر 2012 23:04
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

الوفا: قرارات مؤلمة وجريئة وسط زوبعة من الاحتجاجات

تكريم المناضل محمد بنسعيد أيت ايدر

Related posts
Your comment?
Leave a Reply