الدكتور عباس أرحيلة يلقي محاضرة بمؤسسة البشير بمراكش تحت عنوان مع أطروحة د.عبد السلام الخرشي

qadaya 0 respond

انطلقت يوم الجمعة 17 ماي 2013م  على الساعة السادسة مساء فعاليات المحاضرة التي ألقاها فضيلة الدكتور عباس أرحيلة بمؤسسة البشير للتعليم المدرسي الخصوصي بمناسبة انطلاقة يوم عبد السلام الخرشي في دورته الأولى، تحت عنوان:  مع أطروحة د. عبد السلام الخرشي وقد افتتحها بكلمة عن د. عبد السلام الخرشي رحمه الله تعالى استهلها ببيت شعري:

سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم   ***   وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر

نص المداخلة:  

1 – ماذا افتقدنا حين افتقدناه

حين افتقدناه، افتقدنا واحداً في زماننا عمِل بما علِم، فتطابق عملُه بعلمه، وكان صورةً منه؛ فما انفكّ عَمَلُه عن علمه، ولا جاءت مواقفه بغير ما يُمليها عليه علمُه؛ وهذا سرّ قوة عبد السلام.

 حين افتقدناه افتقدنا حالة اقتضاء العلم العمل، وحالة تمثل العلم النافع في دنيا الإيمان؛ فكان فقدُه خسارة، فقْدُ مسلم كان يعبُد الله بعلم. من هنا كان غيابُه يُشعر كل فرد من أحبابه وأصفيائه بفراغ وأي فراغ، غاب الأنموذج، غاب القدوة، وغابت المدرسة…

 2 – كان صدىً لمرحلة

عبد السلام شخصية نادرة في تكوينها النفسي والاجتماعي والعلمي، تنصهر مكوناتُها كلُّها في دروسه ومحاضراته في تعليقاته وملاحظاته وفيما يكتبه؛ فتجد نفسك وكأنك أمام علَم من زمن مضى، كان من مفاخر الأمة في لحظات عزها، وتجد نفسك أمام باحث يهتزّ لنبضات العصر ببصيرة نفاذة، أمام مثقف يراقب حركة الحداثة في تقلباتها وما يصطرع في أجوائها من قضايا  وأبحاث حول الإسلام، وما يمور في حناياها من محاولات لتغريب العقل العربي، وصدّ أهل الإسلام عن هويتهم، وعن مجال تداولهم عقيدةً وفكراً ولغةً.

عبد السلام أول من عرفتُ له متابعات دقيقة لكل ما جدّ في مجالات الثقافة الإسلامية، منذ مطالع ستينيات القرن العشرين، وأول من وجدت لدية أجوبة عما يعتبره أهل الفكر الحديث والمعاصر من المعضلات.

 وله في كل ذلك تحليلاته واستدلالاته ومواقفه من منطلق النصوص الصحيحة البانية للعقيدة الإسلامية. وأَعجبُ ما تسمعه من أحاديثه استحضارُه للنصوص الدالة على كل قضية تُعْرَضُ للنظر.

3 – وكان حاملا لهموم الأمة

 وأعتبره من القلائل في بلادنا ممن حملوا هموم الأمة الإسلامية لمدة تتجاوز ثلث قرن. وإذا كانت وسائل الإعلام لم تعرف له طريقا؛ فإنه كان من أعلام المحافل العلمية بفضل دروسه ومحاضراته التي قلَّ من يُضاهيه فيها؛ يتصدَّرُها بشموخه العلمي، وبمنهجيه في استقراء النصوص وسهولة استحضارها، وكيفية تحليلها وعرضها، وما يُضفيه عليها من حيوية خرشية قلَّ أن تجدها في غيره، إلى جانب ما تختزنه ذاكرته من عيون ما أبدعه التراث العربي من شعر ونثر، وما حباه الله تعالى من تنويع في أساليب الأداء البياني؛ مما تُستمال به النفوس، وتنشدّ إليه العقول.

وكما تجد في عبد السلام الخبير بإشكالات المرحلة سياسيا واجتماعيا؛ وما تخفيه من صدام بين الحق والباطل، بين الشرق والغرب؛ تجد فيه المتمكن من قضايا الثقافة ومشاكل التعليم في المغرب الحديث، وفي كل ذلك تجد المتحدث الذي يثير انتباهك بملاحظاته وتحليلاته وتعليقاته.

 بعد هذه الكلمة التمهيدية، ماذا عن أطروحته لنيل الدكتوراه – فقه الفقراء والمساكين في الكتاب والسنة؟ كيف فقُه عبد السلام روح الإسلام في معالجة معضلة الفقر في دنيا البشر؟ أية منهجية رَصَدَ من خلالها هذه المعضلة؟ وكيف استقى تلك المنهجية من الكتاب والسنة بمهارة غير معهودة، وباستيعاب غير مسبوق؟

ثانيا: معضلة الفقر وعجز البشر عن معالجتها

1 – معضلة الفقر في التجربة البشرية على الأرض

من السنن الكونية في الوجود البشري التفاوت الظاهر في تقسيم متاع الدنيا على سكان الأرض، وهي أرزاق وزعها ربُّ العزة على مخلوقاته في الأرض بمقادير مقدرة تُختبَر من خلالها التجربة البشرية على الأرض؛ فتتوالى الابتلاءات لتلك التجربة بين من استأمنهم الله عز وجل على ماله فكانوا أغنياء، وجعل ماله دولة بينهم، وجعل حاجة آخرين من عباده إلى ما في أيديهم باعتبارهم فقراء. وأقام سبحانه وتعالى نظام التعايش بين الفئتيْن، ورسم كيفية الانسجام بينهما؛ لتستقيم حركة الحياة في مسيرة التجربة البشرية. فلا استقامة لحركة الحياة بغير انسجام بين أصحاب الأموال ومن لا مال لهم، ولا استقرار في الوجود بغير عدالة اجتماعية، وبغير معالجة لظاهرة التفاوت بين الأغنياء والفقراء، ولا سعادة في دنيا الناس بغير الاحتكام إلى منهج الله في كيفية معالجة تلك الظاهرة؛ ظاهرة الفقر في المجتمعات.

2 – الفقر: حاجة ومهانة، فسقوط وموت

يطلق لفظ الفقر في لغة العرب على ما يحدث من انفراج يقع في فِقار الظهر، انفراج يجعل صاحبه يعاني من عاهة مزمنة في عموده الفقري، يصبح إثرها كسيحاً مُقعَداً.  يستكين وتنعدم لديه الحركة.

وبانكسار الظهر، وانعدام الحركة، والاستكانة؛ تنكسر النفس، ويصبح معنى الفقر – مجازاً – الحاجة التي تعرض صاحبها إلى الذل والمهانة بين الناس؛ فالمجتمعات الفقيرة التي تعيش تحت وطأة الحاجة؛ تصبح ذليلة خاضعة، تستسلم للأقوياء. وجاءت الحروب الاستعمارية في العصر الحديث فأفقرت الشعوب، وسيطرت على خيراتها، وجعلتها تابعة لها.

وما حقيقة الفقر عند عبد السلام؟ حقيقتة أنه معضلة ضاقت على الناس سبلُ معالجتها. معضلة ظل أمرها غامضاً ولم توُفق البشرية في التغلب عليه. عويصة لم يهتد الناس لحلها.

حقيقة الفقر  عنده أنه “من العويصات المثيرة للكثير من الحروب والأزمات، والإحَن والسخائم، وأنه الآفة الخطيرة التي ظلت تفتك بالحشود من البشر، وتهدّد الإنسان بشَرٍّ مستطير، وما زال أمرها يتفاقم، وأرقام ضحاياها ترتفع؛ حتى لتشكل الآن – بالنسبة للأمم والأقوام – القنبلة الموقوتة التي لا تُبقي ولا تذر، والمعرة الجامعة لكل عار، والسُّبّة التي لا تُمحى“. [1/4].

3 –  عجز البشر عن معالجة معضلة الفقر

لاحظ عبد السلام، رحمه الله، كيف عجزت البشرية عن معالجة معضلة الفقر وكيف”تعطلت وسائل البشر، وأصيبت كشافاتها بالعَشا، وادلهمّت الرؤية؛ فطغى التخبط والتكفّؤ والتخرّص. وما يزال الأمر يستفحل حتى تصير الحلولُ إشكالاتٍ، وشرانقَ تخنق المُنظِّر والمُنَظَّرَ له… وقد أسفر الصبح لذي عينين” [1/5]

فما تزال البشرية تسير على غير هدى في محاربة معضلة الفقر، وستظل تفتعل الحلول الكاذبة، فتعيش في تقلبات لا تنتهي، فلا التنظير لما تعاني منه أفادها، وأخرجها مما تتخبط فيه، ولا هي أدركت انحرافها عن المنهج الأمثل.

وهنا يُعيد عبد السلام إلى الأذهان القاعدة العلمية التي يعيش الناس في غفلة عنها؛ وهي الاحتكام في حركة الحياة إلى منهج الله عز وجل؛ فكل صنعة يُرجَعُ فيها إلى الصانع، ولا وجود لحل خارج المنهج الذي ارتضاه الله لخلقه.

القاعدة المنهجية هي أن نستعيض عن الحلول البشرية، وأن نردّ كل ما نتنازع فيه ونختلف، إلى منهج الله عز وجل. قال تعالى:” فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول” [ النساء: 59 ].

فالأطروحة دعوة – من منطلق ما قدمه الوحي من استدلالات –  إلى ضرورة الاحتكام إلى منهج الله عز وجل في معالجة معضلة الفقر؛ إذ هو الأنجع والأصلح في ذلك، والأقل كلفةً وجُهداً ووقتاً؛ الاحتكام إلى ما ورد في القرآن والسنة. وبهذا قدمت الأطروحة المنهج البديل الذي يجهله أصحاب النظريات الاقتصادية في العالم المعاصر، وتعمل في ضوئها المنظمات والمراكز البحثية، بدون أن تصل إلى نتائج ملموسة.

ثالثا: مقاصد المنهج وآثارُه في حياة الناس

1 – أطروحة تضع حدّاً للاختلالات في البنيات الاجتماعية

يرى عبد السلام، رحمه الله، أن تطبيق هذا المنهج – الذي رصده من خلال الكتاب والسنة – يضع حدّا للاختلالات البارزة في بنيات المجتمعات المعاصرة، كما أنه يضع حدا لمظاهر التفاوت بين الطبقات الاجتماعية، وما تسببه من صراعات. ويرى أن الحياة لا يمكن لها أن تستقيم على كوكبنا الأرضي، ولا يمكن لها أن تحظى بالأمن والاستقرار، وتوفر للإنسان كرامته؛ إلا إذا جعلنا متاع الدنيا شِرْكَةً بين الأغنياء والفقراء، وصار المال دولةً بين الأغنياء والفقراء.  والمقصد الأساس في المنهج الرباني أن يتقرر في كل مال ما تنسجم به حركات الحياة بين طبقات المجتمع.

2 – أطروحة قدمت كيفية الاستمداد من الوحي

وقد قدم عبد السلام، رحمه الله، منهجية في كيفية الاستمداد من المصدريْن المؤسسيْن للهوية الإسلامية.

والحق أن هذه الأطروحة تعدّ أول بحث علميّ استوعب بدقة متناهية ما ورد في القرآن وما صح من السنة عن الفقر.

ولهذا البحث خطره في التنوير والتغيير، ولو قدر لروحه أن تسري في نفوس الفقراء والأغنياء على السواء؛ لاستقامت حياة الناس.

وإذا نظرنا بإمعان في مفاصل هذه الأطروحة؛ اتضح لنا أننا أمام نظرية متكاملة عن موضوع الفقر، غير مسبوقة ولا مطرقة، كما قال.

3 –  مواجهة الفقر والاحتكام إلى المنهج  الرباني

أطروحة تكشف عن أخطار الفقر على الأفراد والجماعات في الحال والمآل، وكيف تتمّ مواجهة تلك الأخطار التي تحدق بالشعوب التي تُهمل حقوق الفقراء والمساكين ولا تُعنَى بحمايتها والحرص على رعايتها، إلى درجة إيثارهم على النفس والولد.

 وترصد الأطروحة المواجهة المباشرة مع الفقر، فتحدِّدُ الإجراءات المعتمدة لإزالة الفقر، وتعيّنُ آليات الإنفاق وضوابطه لتنكشف وجوهُه، وتتضح أهمية التنافس على الخير  في المجتمع، وما أعدّ الله من نعيم لأهل الإنفاق.

حين يتحدث عبد السلام، رحمه الله، عما يكون للفقر من انحرافات في البنيات الاجتماعية والنفسية والأخلاقية، يقول:

وما من علاج لهذه الطوامّ وغيرِها إلا بالوصفة الصادرة عن الكتاب والسنة، وهي توصي بسلامة الفطرة، والاعتدال، وضبط النفس، والتراحم، وترك الافتعال والتكلف حتى لا فرقَ يُذكر بين المظهر والمخبر” [2/517].

ويُنهي أطروحته بعبارة ينصهر فيها التواضع بالإعجاب بما تحقق وأُنجز، ويلتقي فيها دق ناقوس الخطر لمواجهة آفة الفقر في العالم، وما قد يجر عليه من ويلات، ويُنهيها برغبة  حميمية  وتطلع أن يُفسَح المجال لتطبيق مشروعه هذا. فعبد السلام كان صاحب مشروع، وكان يترقب ويأمل أن يُفعَّلَ مشروعُه، ويأخذَ طريقه إلى التنفيذ والتطبيق، وإذا كان قد رحل عن دنيا البشر، فرسالتُه باقية تذكر بكيفية علاج ما يُعاني منه البشر. يقول رحمه الله تعالى:

وأخيراً، فإن هذا البحث محاولة جادّة ومسؤولة، وغير مسبوقة؛ تستهدف إحداثَ ثُقْب في جدار آفة الفقر التي تهدّد العالم بالانهيار، وتقدم من ضحايا الجوع والمرض والتشرّد والجهل … ما يتجاوز المليار من البشر، وتستهين بجميع الحلول الأرضية، بل تتقوّى بها وتزداد عربدةً وطغياناً؛ وذلك ما يحتّم إفساح المجال – من باب الإنصاف وحب الخير – أن يصبح هذا المشروع قيد التطبيق والممارسة، بعد أن يَلحَقَه التعديل والإضافة: ما يلائم طبيعته، وتلحقَ به أعمال ترتبط بواقع الناس وحياتهم” [2/518].

رابعا:  أطروحة كانت مشروع حياة عبد السلام

1 مواجهة صنفيْن ممن يتعاطَون الثقافة

منطلق هذه الأطروحة كان وليد وضع ثقافي عام بمراكش، ووليد صدام خاص لعبد السلام مع بعض عناصر المد الشيوعي بمدينة مراكش في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين. جاء في مقدمة أطروحته أنه كان يجلس إلى صنفين ممن يتعاطون المعرفة.

أحدِهما يركز في مسائله ومناقشاته على الجانب الاجتماعي، وبالأخص على الوضعية المتردية التي تعيش عليها معظم الشعوب الإسلامية المشكَّلة في غالبيتها من الفقراء والمساكين. ويشتط، فيُنكر – في إصرار – أن يكون لله ورسوله عنايةٌ بهذا النوع من البشر، وبالأحرى أن تُخصَّصَ لهم موادٌّ ضافيةٌ من القرآن والسنة؛ تُنَظِّرُ لهم وتُنَظِّم شؤونهم، وتحُل مشاكلَهم وتعملُ لإنقاذهم وإدماجهم.

يقول:” وكنا نواجه إنكارهم هذا، بل سخريتهم أحيانا… وينتابنا شعور صادق؛ بأننا مقصِّرون، وهم مستلَبون جاحدون ضالّون جاهلون… وكنا نعتقد جازمين، أنهم ضحايا تياراتٍ فكرية تخطط للهيمنة على عقول وخيرات ومقدَّرات العالم الإسلامي خاصة؛ وهم فريقان:

من يُلوِّح بمجتمع بدون طبقات، ومن يبشر بمجتمع حر تنطلق فيه قُوى الإنسان لتعمل وتنتج. ونعوذ بالله؛ فإن عددا منهم ما زال في حالة خُمار.

والثاني كان يحظى منا باحترام وتقدير – على كل حال -، لارتباطه بالقرآن والحديث… فهما مصدرا ثقافته، لكن بصورة تبعيضية وغيرِ دقيقة؛ وطالما تَطلَّعْنا إلى النظرة الشمولية  لهذا الدين القيم الذي اعتنى حتى بمشي الإنسان وصوته ودخوله الخلاء… فكيف بالقضايا الكبرى مثل قضية الفقراء والمساكين، ونظام الحكم، ووضعية العمال، والنظام التربوي التعليمي، وملكية الأراضي، وتنظيم الجيوش، والإعلام… فما كنا نجد إلا في النادر جدا، من لهم تلك النظرة” [1/7 – 8].

2 – إحساسه بالتحول الثقافي وضرورة مناهضة هذا الوضع

ازداد إحساس عبد السلام بما يراه من استلاب لعقول أجيال من معاصريه، وقصورِ نَظَرٍ لدى كثير من المنتسبين إلى الثقافة الإسلامية، وبدأ يشعر من جانبه بالتقصير في مواجهة هذا الوضع، واحتدّ هذا الشعور لديه، واستشعر جانب المسؤولية في موقفه هو مما يجري حوله، وفي ضوء ما جدّ في العالم الإسلامي من تحولات كبرى:

أ –  اتساع مدى الثروات النفطية وغيرها في العالم الإسلامي واتساع مدى الاستفادة منها.

ب – ازدهار نشر التراث الإسلامي؛” مما لم يكن الناس يحلُمون به“.

ج – ” صدور دراسات جادة من منظور إسلامي تكاد تستقطب جوانب الحياة، ولها التصاق قوي بالواقع ومتطلباته وتحدياته“.

د – ” ظهور عدد من المؤسسات والجماعات الإسلامية المنافسة والواعية، وانكشاف زيف تلك التيارات والأيديولوجيات لكل ذي بصيرة منصف باحث عن الحق والخير“[ ص8].

3 – ودخل عبد السلام المعترك وأجاب نداء المسؤولية

أمام انتشار الكتاب الإسلامي بكل اتجاهاته، وقراءة ما يتعلق منه بالكتاب والسنة، وظهور الدراسات الملتصقة بالواقع ومتطلباته وتحدياته؛أحس عبد السلام بوطأة المسؤولية وما عليه من واجب تجاه أمته.

 أحس – في ضوء تفاعله مع كل ما قرأه، وما دخل في تجاذب فكري معه – أن لحظة حَمْل جانب من هموم الأمة قد أزف، وأن عليه أن يفكر ويجتهد، وأن يقول كلمته؛ فشرع في تفسير القرآن الكريم، وبدأ يضع تراجم لـ”رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه“، وأحسب – والعهدة عليّ –  أن نفسه كانت تهفو أن تنال ذلك الصدق المُعاهَد عليه، هنالك أحس عبد السلام بعبء المسؤولية وما تقتضيه، وبجسامة المهمة وما تستدعيه،  ولم يجد له عذراً أن لا يُخرج زكاةَ العلم، وألا ينفعل ويتفاعل مع حركة أمته، فما عاد يحتمل أن تتقاعس همته عن أداء واجب الإسهام في  بلورة رؤية تنفع الأمة في حاضرها ومستقبلها، من منطلق كتاب ربها وسنة نبيها. وشاءت عناية الله، أن يُفاتَح في إنجاز أطروحة، وهو في أوج تكوينه العلمي؛ فانقدح في ذهنه موضوع ظاهرة الفقر، وما تعانيه البشرية من جرائها، والنظر إليها في ضوء معالجة الإسلام لها، واستشعر أهمية ذلك، واجتاحته “رغبة عارمة” في الكتابة في الموضوع.

يقول عبد السلام، رحمه الله:

 ” كانت لنا قراءة للكتاب والسنة، وأصبح لزاما على العاملين في حقل المعرفة الصحيحة النافعة، والحاملين هموم الأمة، وفي ذمتهم، أن يقدحوا زناد عقولهم… ليبلوروا للأمة وللإنسانية قضاياها الظرفية والمصيرية في مشاريع منهجية ومنظمة وقابلة للتطبيق؛ من صميم كتاب ربها وسنة نبيها واجتهادات علمائها الأفذاذ ذوي… الرؤية المستقبلية… فلم يبق – الآن – عذرٌ لمن له قدرة على أن ينفع الأمة والبشرية بشيء فتقاعس.

بهذا الإدراك وتحت هذا الشعور وجدتُني معانقا ومحتضنا موضوع: الفقراء والمساكين… مما انتهى به – بتوفيق الله وتسديده – لا إلى حل ودواء ناجع لمشكلة فقراء العالم الإسلامي خصوصا والعالم عموما فقط، ولكن إلى نظرية كاملة عن الفقر والفقراء؛ مستخلصة من الأصول الإسلامية، وغير مسبوقة ولا مطروقة[ 1/8 – 9].

وهكذا بدأ هذا الموضوع بذرة، وانتهى- بفضل الله – دوحة وارفة، على حد تعبيره، رحمه الله تعالى، وجعله من المقربين إليه، وأسكن عبد السلام جنةَ دار السلام، والسلام على روح عبد السلام. 

الأحد 19 مايو 2013 15:07
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

ولبست له فستانا احمر

المغربى محمد ريفى يفوز بلقب “إكس فاكتور” العربى الأول

Related posts
Your comment?
Leave a Reply