الشراكة

qadaya 0 respond

محمد السهلي – ارتبط تقدم الثورة الفلسطينية المعاصرة على طريق تجسيد الحقوق الوطنية بمقدار ما جسد العمل الوطني مبدأ الشراكة الذي يفرضه المضمون التحرري للبرنامج الوطني ومحتواه الديمقراطي، وعلى أساس أن الشراكة هي أحد أبرز تعبيرات الوحدة الوطنية باعتبارها شرطا لازما لإنجاز هذا البرنامج.

وكان واضحا منذ البداية أن مبدأ الشراكة لم يكن مطروحا لتكريسه فقط في إطار القوى والفصائل بل يتجاوز ذلك ليشمل القوى والمؤسسات والفعاليات الاجتماعية، من موقع السعي إلى حشد الطاقات الوطنية والزج بها في معركة النضال التحرري ربطا بطبيعة العدو الاستيطانية وسياساته التوسعية.

بالمقابل، ترتبط الانتكاسات والتراجعات التي منيت بها الثورة الفلسطينية، من حيث الأساس، بالمراحل والمحطات التي تم فيها تهميش مبدأ الشراكة ليصل إلى حد المس بالوحدة الوطنية ذاتها، دون إهمال تأثير شراسة الحملة المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني على يد الاحتلال وتحالفاته.

وكثيرا ما وضع مفهوم الوحدة (ومعه مبدأ الشراكة) في معاجم خاصة قدمت فيها قراءات ذاتية شوهت هذا المفهوم وأخرجته عن قاعدته الصحيحة التي تستقيم فيها حكما ثنائية الوحدة والنقد وفق معيار الآليات الوطنية المعتمدة لإنجاز البرنامج الوطني بعناوينه الأساسية.

على ذلك، عندما تعرضت في السنوات الأخيرة (مجددا) الوحدة الوطنية إلى خطر حقيقي وتآكل معظم تجلياتها، كان معيار استعادة الوحدة (وبالتالي الشراكة) هو ما توصل إليه الحوار الوطني في حزيران/يونيو من العام 2006 وقد تبلور في «وثيقة الوفاق الوطني» بكل ما تضمنته هذه الوثيقة من إعادة تأكيد على العناوين الرئيسية للبرنامج الوطني وآليات تنفيذه ومن بينها بالضرورة إعادة الاعتبار للشراكة السياسية من زاوية «شركاء في الدم… شركاء في السياسة». وبالتالي فإن الحديث عن الشراكة لا يستقيم خارج الالتزام بهذه الوثيقة وما ورد فيها وخاصة أن جميع مكونات الحالة الفلسطينية السياسية والمجتمعية قد وقعتها وتعهدت التزام تنفيذها سياسيا وتنظيميا.

لذلك، من نافل القول إن الهيئات والمؤسسات والأطر الوطنية القائمة في إطار منظمة التحرير والسلطة معنية أن تتعامل مع الشراكة الوطنية وفق المحددات التي وضعتها الوثيقة والاستناد إليها في رسم السياسات والتحركات التي تنهض بها.

أما ما كان في الأساس موضع خلاف داخل الحالة السياسية الفلسطينية وانقسمت بسببه، فهو خارج هذه الشراكة ولهذا السبب كانت تتكرر الدعوات إلى اتخاذ خطوات سياسية واقتصادية تمكن من الإفلات من قيود الاتفاقات المجحفة التي وقعت مع الاحتلال في إطار اتفاقات أوسلو. وهنا ربما ينبغي الإشارة إلى أن بعض «الانفراجات» الإدارية التي حصلت عقب توقيع الاتفاقات لا تلغي حقيقة أنها وضعت القضية الفلسطينية برمتها في مأزق حقيقي، نسعى بكافة الوسائل لاستجماع ما لدينا من عناصر القوة للخروج منه.

إن أبرز ما تقدمت به وثيقة الوفاق الوطني هو وضع المعركة مع الاحتلال في سياقها الصحيح باعتبارها نضال تحرري وهي بالتالي معركة مفتوحة غير مسقوفة سياسيا بما يحد من تحقيق أهداف هذا النضال. ومن هذه الزاوية فهمنا أن التحرك السياسي الفلسطيني باتجاه الأمم المتحدة لنيل عضوية دولة فلسطين إنما يأتي في هذا الإطار وهو بالتالي غير مرهون بمواقف قائمة أو متوقعة لأي من أطراف المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة التي قالت في وقت سابق وتحديدا منذ جولات مفاوضات «كامب ديفيد ـ 2» (صيف العام 2000) بأنها ستكون ضد أي تحرك فلسطيني آني أو مستقبلي يحاول الخروج بالتسوية من فلك معادلات أوسلو باتجاه الأمم المتحدة. وكان ذلك في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون الذي تعهد بذلك أمام إيهود باراك بحضور الليكودي الصقري دان ميردور. ونلحظ أن هذا الموقف قد انسحب إلى عهد باراك أوباما ومن الأكيد أنه مستمر حتى في حال فوز المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية.

وحدث الأمر نفسه بما يخص السياسات الأميركية «الثابتة» تجاه سبل حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عندما سحبت رسالة 14/4/2004 التي وجهها بوش الابن إلى شارون نفسها على مواقف أوباما، وهي الرسالة التي تبنى فيها بوش الموقف الإسرائيلي برفض الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 67، ورأى أن ذلك أمر غير واقعي.

إن ما يعيق تقدم الشراكة وتعميقها هو التعامل مع خريطة المواقف المذكورة كسقف سياسي ينبغي التحرك تحته، أو في أحسن الأحوال حوله. لذلك أكدنا أن تقديم طلب عضوية فلسطين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ينبغي أن يترافق بالإصرار على طلب التصويت عليه وعدم إرجائه.. لسبب بسيط أن لا تطورات أميركية ممكنة تغير في حقيقة موقف واشنطن من الوضع، بغض النظر إن فاز باراك أوباما بولاية جديدة أم خسر أمام منافسه الجمهوري ميت رومني.

ويعيق تقدم الشراكة وتعميقها النظرة الخاطئة لمسار النقد السياسي والاقتصادي للأداء «الرسمي» الفلسطيني. فالصواب ـ برأينا ـ أن يتم النظر إلى الانتقادات السياسية والتحركات الجماهيرية كخطاب قوة موجه إلى عناوين مختلفة من بين الأطراف الرئيسية في المجتمع الدولي كي تستشعر وتدرك أن الوضع الفلسطيني متحرك ومفتوح على احتمالات يحدد أفقها منحى التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية، إن كان في التعامل مع السلطة إداريا وماليا أو في اختفاء الدور الفاعل للجنة الرباعية الدولية باتجاه تصويب معادلات التسوية المطروحة على الجانب الفلسطيني، لأن ما هو مطروح حتى الآن يدفع بالحالة الفلسطينية إلى أزمات جديدة ستؤدي مع تراكمها إلى انفجار الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لقد استخدم بنيامين نتنياهو كل الأصوات المعترضة من داخل ائتلافه الحاكم ومن خارجه على مستوى الأحزاب السياسية وتحركات الجمهور الإسرائيلي، بمن فيهم المستوطنون من أجل أن يقدم رسالة إلى أوروبا والولايات المتحدة مفادها أنه لا يستطيع الإقدام على خطوات سياسية مطلوبة منه لأن القيام بها ـ برأيه ـ يهدد الاستقرار السياسي والحزبي في إسرائيل وقد تمت الاستجابة لهذه الادعاءات.

من الواجب والممكن ـ برأينا ـ أن يتم إحداث انفراجة جدية في الوضع الفلسطيني من زاوية تقدير فعلي وحقيقي للإمكانات الوطنية المتاحة ورسم سياسات تستند إلى هذه الإمكانات من موقع تطويرها. لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية تلتزم إستراتيجية جديدة تخرج عن إطار الرهان على إمكانية نجاح التسوية السياسية بمعادلاتها السابقة، أو المراوحة في المكان بانتظار تطورات يتأكد الجميع من أنها لا تحمل تغييرا جديدا في سياسات واشنطن وخاصة بما يتصل بالحلول التي تحتاج إلى ضغوط جدية على إسرائيل.

إنهاض الوضع الفلسطيني في الأراضي المحتلة يحتاج إلى سياسات اقتصادية ناجعة ومنحازة للفئات الفقيرة وضحايا الاستيطان والجدار.. والفلسطينيون في الشتات بحاجة إلى إنهاض دور منظمة التحرير بكافة مؤسساتها.. والأمران معا يحتاجان إلى إعادة الاعتبار إلى الحوار الوطني الشامل وتنفيذ اتفاق المصالحة.. ومن دون ذلك فإن السقف السياسي المطروح أمام الفلسطينيين سيواصل الانخفاض حتى يضغط على رؤوسهم جميعا..

السبت 22 سبتمبر 2012 15:38
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

فيلم سوء في 11 سبتمبر

الإعلام الإليكتروني المحلي والانخراط في الصراع غير المشروع…!!!

Related posts
Your comment?
Leave a Reply