حسابات الحقل .. والبيدر

فضاء الدعم المدرسي

محمد السهلي – أسئلة كثيرة ولّدها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، منها ما يتصل بالحالة الفلسطينية ومدى قدرتها على التعامل بجديّة مع استحقاقات هذا العدوان، وإغلاق الملفات الشائكة التي أنتجها الانقسام والسياسات الخاطئة، لما يمكّن الحالة الفلسطينية من استعادة توازنها ربطا بالتزام المشروع الوطني بعناوينه الأساسية.

وأسئلة أخرى على المقلب الإسرائيلي تتعلق بدوافع العدوان، وما يمكن أن يخرج به نتنياهو في حال تم الوصول إلى تهدئة يسعى إلى إطالة أمدها دون تقديم التزامات إسرائيلية وضمانات إقليمية ودولية تكفل لقطاع غزة وأهله الخروج من الحالة السابقة التي كانوا فيها في ظل الحصار وسيف الملاحقة الأمنية عبر الاجتياحات والاغتيالات المتواصلة.

فهل ينجح الفلسطينيون في ما لم ينجحوا في تحقيقه قبل وقوع العدوان.. أم أن نتنياهو يصل إلى أهدافه بما يعزز فرص فوزه في الانتخابات القادمة محمودا على خطاب «الخطر الوجودي» الذي يتهدد إسرائيل من كل حدب وصوب؟

ربما من المبكر الخروج باستخلاصات حول الآفاق التي يمكن أن تتولد في مرحلة ما بعد هذا العدوان، ربطا بطبيعة الأسس التي سيرسو عليها اتفاق وقف النار وملامح التهدئة التي يتم الحديث عنها في أروقة الدبلوماسية والإقليمية الدولية. لكن الثابت في هذه الجولة الجديدة من العدوان الإسرائيلي أن رد المقاومة الفلسطينية كان قويّا ومتماسكا، وقد أوجع العدو في عمقه وأفقده توازنه، وجعله يعيد الحسابات التي انطلق وفقها في ارتكاب هذا العدوان.

ولطالما فرضت الاعتداءات الإسرائيلية على الحالة الفلسطينية الارتقاء بعلاقاتها الداخلية تحت وطأة العدوان تلبية لاستحقاقاته ومواجهة تداعياته. إلا أن هذا الارتقاء لم يتجاوز توحيد الجهود في ميدان المواجهة ولم يشكّل مدخلا لحل العلائق المتراكمة في العلاقات الفلسطينية الداخلية. ومع انحسار موجات العدوان نسبيا تعود «حليمة إلى عادتها القديمة»، فتتبدد الآثار الإيجابية التي صنعتها الوحدة في الميدان حتى يعود الاحترام الداخلي بأشكاله المختلفة ـ وقد جربنا للأسف كلّ هذه الأشكال ـ.

ومنذ بداية هذا العدوان ارتفعت الأصوات المخلصة تطالب بتوحيد إمكانات المواجهة سياسيا وكفاحيا، وعلى المستويات المتاحة كافة. وأكدت تداعيات العدوان مجددا وحدة الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، فاشتعلت المواجهة في أنحاء الضفة الفلسطينية مع الاحتلال من خلال التظاهرات المنددة بالعدوان، وفي مخيمات الشتات واللجوء هبّت الجماهير الفلسطينية في فعاليّات تضامنية شاركت فيها القوى والأحزاب والفعاليّات الشقيقة التي تجد نفسها في خندق واحد مع الشعب الفلسطيني في مواجهة التوسعيّة الإسرائيلية. وكان للجاليات الفلسطينية والعربية دورها المميّز في تنظيم أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني في محنته الأخيرة.

ومن الطبيعي أن يفتح هذا العدوان مجددا ملف الأوضاع الفلسطينية الداخلية من زاوية وحدة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعدم تجزئتها بين هذه الجهة وتلك تحت أي مسميات في الوقت الذي نرحب به بالطبع بكل أشكال التضامن مع قطاع غزة وأهله الذين تنصبّ عليهم نار العدوان. وبالتالي فإن ما يجب التأكيد عليه الآن هو ما تفرضه وحدة الشعب الفلسطيني من إعادة الاعتبار لبرنامجه الوطني، وخاصة أن هذا العدوان جاء على عتبة تقديم طلب عضوية فلسطين في المنتدى الدولي، وقد لاحظنا أن الانتباه بات مشدودا على ما يجري في قطاع غزة وحوله، وهذا أمر طبيعي ومطلوب قياسا بحجم العدوان وأهدافه إلا أن كلّ هذا لا يلغي التفاف الحالة الفلسطينية بكافة مكوناتها من أجل دعم المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة، باعتباره مدخلا لوضع المجتمع الدولي مجددا أمام التزاماته عملا بقرارات الشرعية الدولية التي ساهم هو بالذات بانتاجها.

على المقلب الإسرائيلي تنهض التساؤلات الكبيرة حول منحى تداعيات الحرب على غزة، ومن زوايا مختلفة:

على مستوى مركز القرار الرسمي الإسرائيلي، سترتبط هذه التداعيات، حجما واتجاها بمآلات الحملة العسكرية التي أخذوا القرار بشنها على قطاع غزة. وسيكون من الصعب جدا عندما ينجلي غبار المعركة، توضيح أسباب هذا الانهيار في معنويات الجمهور الإسرائيلي بعد أن تغنّت المؤسسات الأمنية والعسكرية بمزايا القبة الحديدية، بعد أن تمكنّت صواريخ فلسطينية من الوصول إلى مشارف القدس وتل أبيب.

لكنّ في هذا الأمر ما يمكن أن يحاول بنيامين نتنياهو توظيفه من زاوية أن الخطر الوجودي الذي يتهدد إسرائيل ما زال ماثلا فهو الذي يعتمد في خطابه الانتخابي على تقديم ملف الأمن على كل ما سواه من القضايا التي يمكن أن تشغل أوساط المجتمع في إسرائيل. وقد لوحظ عبر كتابات وتحليلات صدرت في الصحافة العبرية أن بعض المحللين يرون في تقديم الملف الأمني خدمة مباشرة للأحزاب الصهيونية المتطرفة وفي المقدمة حزبا الليكود وإسرائيل بيتنا، اللذان شكّلا قائمة انتخابية واحدة. ويلاحظ آخرون في الوقت نفسه أن برامج أحزاب عدّة مثل حزبي العمل ويوجد مستقبل، قد أصبحا في الظل كنتيجة للوضع السائد.

بالتالي برزت تساؤولات عمّا إذا كانت الانتخابات الإسرائيلية ستجري في وقتها، وهو سؤال يلقّى إجابات عدة ومتناقضة في آن.. فإذا كان تقديم الملف الأمني وإدامة التوتر على تخوم غزة يفيد نتنياهو وحلفائه، فإن ما يمكن أن يحدث في فترة ما بعد التهدئة من تصعيد تتلقى خلاله إسرائيل موجات جديدة من الصواريخ الفلسطينية، سيقلل كثيرا من حجم توظيف نتنياهو لما يخسره، بل ربما سيؤدي ذلك إلى حشره سياسيا، وإضعاف فرصه في تجديد فوزه على رأس الحكومة الإسرائيلية للمرة الثالثة في حياته السياسية.

لهذا السبب يصرّ نتنياهو على إبراز شروطه لإبرام تهدئة مع الجانب الفلسطيني، وخاصة فيما يتصل بإنهاء البنية التحتية للمقاومة وتجفيف مصادر دعمها، عبر التوصل إلى تفاهم إقليمي دولي يؤدي إلى رقابة صارمة على حدود القطاع، دون أن يقدم أي شي مما تطلبه المقاومة، وخاصة رفع الحصار عن قطاع غزة.

ولذلك أيضا يسعى نتنياهو إلى إزاخة إلتزامات إسرائيل المفترضة تجاه قطاع غزة من على كاهلها باتجاه مصر، عندما سعى لأن تكون هناك ضمانات سياسية وأمنية في آن واحد بما يخص حركة معبر رفح وما يمكن أن يخرج ويدخل من وإلى القطاع.

وبغض النظر عمّا يمكن أن ترسو عليه مفاوضات التهدئة المطروحة فإن الاستحقاقات الفلسطينية تتعاظم وتفرض كما قلنا على الحالة الفلسطينية، وتلتفت إلى أوضاعها الداخلية، لأنها بدون أن تستعيد وحدتها ستبقى رقما ضعيفا في المعادلتين الإقليمية والدولية، وسيكون من السهل ممارسة الضغط عليها في ملفيّ المسعى السياسي نحو الأمم المتحدة، وكذلك الأمر بما يتصل برفع سيف العدوان عن قطاع غزة وأهله.

نحن أمام ضرورة إعادة الاعتبار للحوار الوطني الشامل، كي لا تستديم حالة التجزئة القائمة ما بين غزة ورام الله، ففي ذلك تجزئة للشعب وحقوقه. ويعرض قضيته للشطب.. وهذا ما يريده العدو.

الثلاثاء 27 نوفمبر 2012 21:33 فضاء الدعم المدرسي
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

إنّه الفجر والصبح قريب

هل تصبح بروكسيل مركزا أوروبيا للتمويل الإسلامي؟

Related posts