رحلة أيوب مع التحفيظ العقار

qadaya 1 respond


أحمد الشهبوني-
بمناسبة الخطاب الملكي الأخير الذي انتقد فيه العاهل الإدارة المغربية، أقترح عليكم هذه القصة الواقعية التى تحكي معاناة مواطن مغربي مع إحدي الإدارات ولازال يعاني رغم أنه توقف عن تدوين هذا المسلسل الدرامي.
المحافظة هي إدارة تابعة لوزارة الفلاحة مرتبطة بهموم المواطن المغربي وخصوصا الفلاحين حيث تعنى بتحفيظ الأرض. وكما يعلم الجميع، الأراضي الفلاحية في المغرب تخضع لعدة أنظمة عقارية، المحفظة وهي قلة قليلة ثم التي تتوفر على ملكية ثم أراضي الجموع وأراضي الكيش. المحافظة يتقدم لها كل من أراد تحفيظ أرضه ومسطرة التحفيظ عادية ظاهريا فهي تتطلب أن يقدم طالب التحفيظ ما يثبت أن الأرض في ملكيتة ثم يبعث المحافظ بتقني طوبوغرافي Topographe لتحديد الأرض بحضور الجيران وكل المعنيين ويسألهم التقني هل من اعتراض على أن هذه الأرض لصاحبها بدون منازع وإذا كان المحضر خاليا من أي تعرض فإن المسطرة تأخذ بعض الوقت لكن في الأخير يتم تحفيظ الأرض.
في هذه المقالة لن أتحدث نظريا عن النصوص المنظمة للمحافظة بل سأتحدث عن معاناة مواطن تجند لتحفيظ أرضه وكلفته هذه العملية أزيد من 30 سنة، ولازال ينتظر. وكما يقول المثل العربي: “اللي عاش وشاف ليس كمن سمع”. (ويقال أيضا: “ليس من رأى كمن سمع”.
طالب التحفيظ واسمه أيوب، وهو اسم على مسمى، وإلا ما كان له أن يصمد كل هذا الوقت. أيوب يتوفر على رسم ملكية أرضه، وتقدم بطلب التحفيظ منذ أزيد من 30 سنة. أيوب سبق له أن باع 3 بقع صغيرة لثلاثة أشخاص والكل محدد في عقد البيع،كل بقعة بمساحتها واسم مالكها محددة بالتدقيق.
وفق مسطرة التحفيظ، أرسل المحافظ تقنيا لتحديد الأرض لصاحبها مع استخراج القطع الثلاثة التي تم بيعها وفق عقود البيع المسلمة للمحافظة.
في عين المكان ولما هم التقني بتحديد الأرض والقطع الثلاثة التي مساحة كل واحدة منها محددة في العقد، رفض أحد المشترين الجزء المخصص له، حينها انسحب التقني وأنجز محضرا قوامه أن عملية التحديد لم تتم لوجود اعتراض. هذه العملية تكررت عدة مرات والقاعدة أنه كلما تم اعتراض كيفما كان شأنه حتى من أحمق عابر بالصدفة حيث التقني يسأل جميع الحاضرين هل من اعتراض ويكفي أن يقول أي شخص أنا معترض حتى وإن لم تكن له أية علاقة بالموضوع (الأرض) فإن عملية التحديد تتوقف.
القاعدة في المحافظة أنه كلما تم اعتراض على عميلة التحفيظ يوضع الملف في الرف إلى أن يتدخل صاحب الطلب من جديد بينما المنطق السليم هو أن المحافظ متى تسلم المحضر المطعون فيه يقوم بمراسلة الطاعن ويطالبه أن يتبث بالحجة سبب الطعن في أجل محدود. وقد شجعت هذه الثغرة في عملية التحفيظ بعض الناس للاسترزاق حيث كلما علموا أن هناك أرضا سيتم تحفيظها، يتصلون بطالب التحفيظ ويساومونه بمبلغ من المال وإلا سيعترضون على العملية. وهكذا وتفاديا لتعطيل العملية والتجرجير في المحافظة يفضل طالب التحفيظ الانصياع لابتزازهم!!!
وإذا لم يستجب الشخص للدعوة ولم يقدم ما يتبث طعنه فإن المحافظ آنذاك يعتبر الطعن لاغيا ويستمر في تتبع الطلب من جديد.
أمام هذا التعطيل للملف، طلب أيوب من المحافظ أن يعيد العملية وأن يطلب من النيابة العامة أن تحمي التقني حتى ينجز عمله خصوصا وأن بعض المعترضين قد هددوا التقني وحاولوا الاعتداء عليه. المحافظ بعد تدخل المعني يبعث برسالة إلى وكيل الملك يطالبه فيها بمؤازرة التقني حتى يقوم بمهامه ويعزز طلبه هذا بإفشال عمليات التحفيظ السابقة بدون أي تبرير مقبول.
هذه المراسلة المبعوثة إلى الوكيل العام بهدف تأمين عمل التقني، يبعثها السيد الوكيل إلى وحدة الدرك المكلفة بالمنطقة المعنية بالتحفيظ بهدف أن يحضروا لتـأمين العملية وطبعا إذا كان هنالك اعتراض يتم تسجيله في المحضر ويرفع للمحافظة دون الإخلال بعمل التقني.
لعدة مرات يحضر التقني وصاحب الطلب ويتم منعه من التحديد من طرف بعض الأشخاص والدرك غائب لأنه لم يتوصل بمراسلة الوكيل العام أو توصل بها بعد فوات الأوان وفي كل عملية يؤدي طالب التحفيظ الثمن حوالي 500 درهما لكل عملية!!.
وتمر السنين، ويتغير المحافظين. أحد المحافظين اقترح على أيوب أن يسهر بنفسه على أن يسلم الرسالة شخصيا لوكيل الملك (مكتب الضبط) ويتتبعها إلى حين إرسالها للدرك ويتصل بالدرك ليتأكد بأنهم تسلموها وآنذاك يبعث بالتقني. وبعد جهد جهيد وتدخلات في إطار القانون لدى الوكيل والدرك تم حضور التقني بحضور الدرك أخيرا.
أمام الدرك امتنع أحد الأشخاص عن مساعدة التقني وخاطبه “لست معنيا بالعملية”، أنذاك طالب أيوب قائد الدرك بالتدخل لمساعدة التقني لإنجاز المهمة المكلف بها لكن القائد أجابه بأن الوكيل العام طالب منه الحضور فقط وليس اعتقال من يعرقل العملية!! مرة أخرى عاد التقني خالي الوفاض – حيث أن عملية التحفيظ لم تتم.
اتصل أيوب من جديد بالمحافظ الذي نصحه بالتوجه إلى المحكمة فالقضاء هو أعلى سلطة!
اتصل أيوب بأحد المحامين الموجودين في عين المكان أي مقر المحكمة وهو بلدية بن جرير.
الملف واضح، أيوب له أرض باع منها 3 بقع، عقود البيع موجودة ومساحة كل بقعة محددة في العقد ويشتكي من أحد المشترين الذي استحوذ على أرض الغير، حيث احتل مساحة تفوق بكثير البقعة التي اشتراها من أيوب وهذا المعتدي يمنع أيوب من تحفيظ أرضه.
ثم وضع الدعوة (الدعوى) لدى المحكمة، وبعد أخذ ورد ومرور مدة زمنية، تحكم المحكمة ببطلان الدعوى وتحميل السيد أيوب جميع الصوائر! وهكذا صدر الحكم ضد المعتدى عليه.
لم يستسغ أيوب هذا الحكم وقرر البحث في حييتياته لإيجاد الخلل. وبعد اطلاعه على كل الوثائق المتصلة بهذا الحكم اكتشف أيوب أن السبب هو أن المحامي المعتمد ذو مستوى ضعيف حيث تقدم إلى المحكمة لطلب طرد محتل لأرض الغير الشيء الذي لم يجد معه صعوبة محامي الخصم ، فطلب من المحكمة بإلغاءَ الدعوى، لأن موكله ليس بمحتل فهو صاحب بقعة أرضية اشتراها من المشتكى وها هو عقد البيع !!.
ومرت الأيام… إلى أن أشار أحد أصدقاء أيوب وهو محامي (محامٍ)، أشار عليه بطلب خبرة من المحكمة حيث أن المحكمة ستبعث بخبير ليحدد مساحة الأرض ومساحة كل بقعة ويؤكد للمحكمة إن تجاوز أحد الأطراف المساحة التي يملكها. هكذا فعل أيوب بعد تأدية أتعاب المحامي وأداء ثمن الخبرة.
غاب أيوب وترك للمحامي متابعة الملف إلى أن هاتفه الخبير المحلف وطلب منه الحضور في عين المكان بعد تحديد الزمان. حضر أيوب وباقي المعنيين والخبير المحلف وقام بتحديد مساحة كل بقعة. وللحقيقة فإن المعتدى لم يتجرأ اعتراض سبيل الخبير المحلف المرسل من طرف المحكمة، فأغلب الظن أن أحدا أشار عليه بألا يعترض لأنه سيكون في وضعية من يعاكس أمر المحكمة. وبعد بضعة أشهر توصل أيوب عبر محاميه بتقرير الخبير الذي كان واضحا وسليما أشار فيه بوضوح إلى أن السيد ص ع يملك قطعة اشتراها من السيد أيوب مساحتها كذا ويحتل مساحة تفوق بكثير المساحة التي يملكها. بعد هذا التقرير اعتبر أيوب أن المعاناة انتهت وصاحب الحق استرجع حقه.
ترك أيوب باقي التفاصيل للمحامي وحاول نسيان الموضوع. بالنسبة لأيوب الأمر قضي وسيرتاح من عذاب المحافظة والمحكمة والدرك والمعتدي… فلم يعد يتحمل بناية المحكمة والمحافظة البئيستين في الشكل ولم يعد يطيق بؤس موظفي هاتين المؤسستين وا لانكي بؤس المتقاضين وأغلبهم من الفلاحين الفقراءالا ميين،،، فلوتوفروا على قليل من التبصر والعقل لما اكتظت قاعات المحكمة وامتلأ بهو المحافظة!
كلما سأل أيوب محاميه عن نتائج الملف أجابه أنه لازال ينتظر… تعب أيوب من الانتظار ولم يجرؤ كما فعل في الحكم الأول على المتابعة، وأشار عليه أحد الأصدقاء باللجوء إلى محامٍ كبير ذي صيت وهكذا فعل.
المحامي الذي اختاره أيوب فعلا محامٍ معروف وذو كفاءة عالية لاشك في هذا، فكبار القوم يلتجئون لخدمته وما كان ليقبل الترافع عن، (أي نيابة عنه) أيوب لولا تدخل أحد الأصدقاء. تم من جديد رفع دعوى وأيوب كله ثقة في كفاءة المحامي الكبير، ومرت الأيام إلى أن فوجئ أيوب بأن المحكمة رفضت الدعوة التي أقامها شكلا. استعصت على أيوب نتائج المحكمة ولما استفسر عن الأمر اكتشف أن المحامي الكبير وجد ملفه صغيرا وكلف أحد المتدربين بمتابعته. وهذا الأخير قدم الدعوة إلى محكمة مراكش بينما كان عليه وضعها لدى محكمة بن جرير، وهكذا حكمت المحكمة برفض الدعوة شكلا لأن الملف ليس من اختصاصها.
أيوب الآن في ورطة في أمره، فقد خسر قضيته في أول الأمر لأن المحامي الذي أوكله ضعيف المستوى وقد اعتبر الأمر عاديا لكن أن يخسر القضية ومحاميه ذو خبرة عالية وهو صاحب حق لا غبار عليه فهذا أمر يصعب عليه هضمه بسهولة.
أيوب في حيرة من أمره ومن محاميه، فلا عديم الخبرة ولا النابغة استطاع مؤازرته رغم أنه صاحب حق والملف بسيط وواضح للعيان.. مع مرور الأيام اكتسب أيوب خبرة في مساطير المحافظة والمحكمة ولم يعد في حاجة إلى محامٍ كفء بل فقط محامي يتابع ملفاته ويتواصل مع زبنائه. فكر أيوب مليا في موضوع المحامي الذي سيقصده بعد هذه التجربة المريرة مع المحامين السابقين واهتدى إلى أن عليه تجنب المحامين الكبار لأن ملفه لن يحظى بأي اهتمام لديهم وكذلك تجنب المحامين الفاشلين لأنه يعتقد أن خبرته تفوق بكثير معاريف هؤلاء المحامين الفاشلين، إذن سيقصد محاميا في وسط الطريق يجتهد وطبيعة ملف أيوب الصغير نسبيا تتناسب مع طموح المحامي. طبعا الانتقال من محامٍ لآخر عملية صعبة فأغلبية المحامين لا يريدون نزع ملف من زميلهم حيث يجدون إحراجا في هذه العملية لكن بعد إلحاح أيوب استطاع أخيرا أن يوصل ملفه إلى يد أحد المحامين ,,المتوسطين,,.
أمام المدة التي ستستغرقها الشكاية لدى المحكمة والتي قد تدوم لسنوات بين تأجيل الجلسات لأن المدعى عليه لم يتوصل بالاستدعاء، ففي العالم القروي يكفي بعض الدراهم ليخبر الشيخ أنه لم يجد المرسل إليه ليسلمه الاستدعاء وهكذا دواليك.
انتابت أيوب فكرة معاودة الاتصال مجددا بالمحافظة فهو يعرف بدقة المسطرة المتبعة واستخلص الكثير من الدروس من التجارب السابقة ثم أنه استراح لمدة من المحافظة وأهلها وجمهورها ولا بأس أن يعاود الكرة.
قصد أيوب المحافظة وطبعا وجد محافظا جديدا واستغرق مدة من الوقت ومن الذهاب والإياب ليضع المحافظ الجديد في الصورة حيث القاعدة في المحافظة أن كل محافظ يبدأ في دراسة ملف ما من جديد وكأن أحدا لم يسبق أن درسه…
طبعا للوهلة الأولى طلب أيوب من المحافظ إرسال تقني لتحديد الأرض والبقع الثلاثة وتقدم له بطلب المؤازرة. بعث المحافظ لوكيل الملك بطلب مؤازرة التقني للقيام بعملية التحديد، وموازاة مع المراسلة الرسمية طلب أيوب من المحافظ أن يسلمه نسخة من الرسالة.
استطاع أيوب أن يحظى بمقابلة الوكيل العام وشرح له معاناته وطلب منه أن يبعث للدرك المراسلة وأن لا يكتفي هؤلاء بالمعاينة بل مؤازرة التقني حتى ينجز مهامه في تحديد البقع بصفة تامة. بالفعل اتصل الوكيل بالدرك وطلب منهم إنهاء هذا الملف الذي استغرق كل هاته السنوات. في اليوم الموعود حضر الجميع؛ التقني، أيوب وأصحاب البقع الثلاثة وقائد الدرك. منذ البداية خاطب قائد الدرك الحاضرين بأن التعليمات التي لديه تحثه على السهر أن تتم عملية التحديد كاملة ومن له اعتراض يسجله في المحضر وستنظر المحافظة في مدى صحته.
بالفعل كان القائد حازما وتمت لأول مرة عملية التحديد بسلام .إنه ليوم مشهود وتاريخي فأخيرا وبعد كل هذه المعانات وكل هذه السنوات تتم عملية التحديد.
إن أيوب في معركته هذه كان واثقا بأن إرادة الإنسان القوية لابد وأن تنتصر على الفساد والبيروقراطية واللامسؤولية والتخلف والجهل، لكن هذا يتطلب تضحيات خصوصا وأن أيوب ينأى بنفسه عن الوساطة بالرشوة فهو مناضل حقوقي ولن يلجأ أبدا إلى أساليب غير قانونية ومهما كلفه الثمن رغم وجود العديد من معارفه في مواقع مهمة من مؤسسات الدولة.
هكذا إذن انتهت المعركة بنجاح ولم يبق لعملية التحفيظ إلا بعض الإجراءات الإدارية في المكاتب ليتم تحفيظ ملكه.
انتظر أيوب بضعة أشهر وقصد المحافظة ليستلم وثيقة تحفيظ أرضه التي ناضل من أجلها كل هاته السنين. أصيب أيوب بإحباط كبير لما علم أن أرضه لم يتم تحفيظها بعد مرور كل هذه الشهور ورغم إتمام عملية التحديد بمحضر خال من أي تعرض أو تقييد. طلب منه المحافظ الجديد مهلة لدراسة الملف من جديد ومعرفة سبب هذا التأخر. ومرت الأيام وأخيرا أبلغه المحافظ الجديد أن سبب تأخر ملفه ناتج عن خطأ وقع فيه التقني حيث حدد فقط بقعتين ونسي تحديد البقعة الثالثة. وما العمل؟ سأله أيوب فأجاب المحافظ وبكل برودة أن تتم العملية بخروج التقني من جديد لتحديد تلك البقعة.
انسحب أيوب بهدوء تجنبا لأي رد فعل منه في حالة غضب وتساءل مع نفسه أي قدر أحمق هذا الذي يلاحقه فهو لم يختر هذا البلد ولم يختر هاته الأرض فقد ورثها عن والده ولم يختر هاته المحافظة ولم يختر هذا التقني الذي أخطأ في إنجاز عمل روتيني بالنسبة له…
سافر أيوب خارج الوطن من جديد وكان كثير السفر لأنه الملجأ الوحيد الذي ينسى فيه إدارة بلده من محافظة ومحكمة ودرك ولو لحين وينسى فيه كذلك جهل وبؤس وفقر فلاحي بلده.
مأساة أيوب أنه عاش في الخارج لمدة في أوربا وأمريكا الشمالية واكتشف عن قرب إدارات تلك البلدان وعايش واشتغل مع مواطنيها وكان دائما يقارن بين سير الأمور هنالك وفي بلده. كم من مرة تمنى أيوب لو اعتقد كالعديد من مواطنيه الذين يخدعون أنفسهم ويظنون أن بلدهم من أحسن البلدان، حباها الله بمختلف الخيرات وبتعدد المجالات الطبيعية وهداها لأحسن الأديان بحيث أن ساكنتها ستنعم في الدنيا والآخرة على خلاف الآخرين الذين وإن تمتعوا في دنياهم فلهم عذاب أليم في اليوم الآخر.
مشكلة أيوب أنه يرى الأشياء كما هي، فالوقت عندهم، مواطنين وإدارة، له قيمة كبيرة « Time is money » (الوقت مال) ولا أحد يسمح لنفسه بضياعه ولن يصدق أحد هنالك قصة أيوب مع المحافظة مهما كان! ولكل موظف مسؤولية محددة يحاسب عليها وللادارة قدسيتها واستمراريتها بغض النظر عن الأشخاص المسؤولين، بينما عندنا الإدارة تتجسد في المسؤول الأول عنها وهذه قاعدة تنطبق على جميع المؤسسات من أبسط إدارة محلية إلى أعلى جهاز في الدولة فالمغرب كبلد أيام الملك الحسن الثاني يختلف كثيرا من مغرب اليوم. ثم أن ثقافة خدمة المواطن هي قلب العملية الإدارية وأحد أركان الترقية بالنسبة لجميع الإداريين هنالك. أما عندنا فالمواطن مغلوب على أمره وقيم المواطنة والحقوق الفردية وواجبات الدولة تجاه مواطنيها، كلها مفاهيم لا يعرفها العالم القروي رغم جهود بعض المنظمات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني وبعض الأحزاب اليسارية.
ما أثار أيوب هنالك هو سرعة تجديد القوانين والمساطير حيث أن كل إدارة تقوم بعملية تقييم لمساطرها بشكل منتظم بهدف إصلاح الأعطاب التي قد تشوبها وللمواطن دور كبير حيث أنه هو المعنى الأول بتطبيق تلك المساطير. فإذا حصل أن مواطنا وجد عرقلة في مسطرة ما كاتب الإدارة المسؤولة واشتكى لها من التعثر الذي لحق به وقد يقترح عليها كيفية التجاوز وطبعا الإدارة تأخذ مأخذ الجد كل مقترحات الزبناء بهدف تحسين الخدمة. أما عندنا فالمواطن خارج التغطية وحتى الموظفين المعنيين يعتبرون أن تغيير المساطير ليس من اختصاصهم بل حتى اقتراح ما يبدولهم الصواب مسألة مستبعدة ! ثم أن هنالك عندنا معضلة أخرى هي أن القوانين والمساطير الجاري بها العمل مستوردة من حيث المفاهيم المؤسسة لها حيث تنبني على مواطن فرد له كل المؤهلات يعرف حقوقه وواجباته ويبني اختياراته وفق منظوره للحياة وللمجتمع… كل هاته الحمولات الثقافية نتجاهلها ونأتي بالقوانين والمساطير معزولة عن مناخها ونريد تطبيقها على “مواطن” لا يعرف للوقت قيمة، ويبيع صوته وإرادته لكل من دفع أكثر وهنا الطامة الكبرى…
عاد أيوب إلى وطنه وإلى قدره فالقدر لا نملك الهروب منه. بالفعل نسي المحافظة وموظفيها والمحكمة ووكيلها والدرك وجمهور الفلاحين الذين لا يعقلون ونسي حتى أرضه التي عانى من أجل تحفيظها الكثير، إنها استراحة المحارب!.
أقنع أيوب نفسه باستئناف المعركة بعد هذه الاستراحة ووجد لنفسه ما يبرر هذه العودة فالمحافظة والمحكمة والفلاحين يرجع الفضل لهم في احتكاكه بمجتمعه ومعرفة خباياه وتخلفه العميق على خلاف بعض اليساريين الذي يشفق عليهم من جهلهم حيث يعتبرون أن مشكلة المغرب فقط في نظامه الملكي وفي كبار المفسدين وأن شعبه بخير وكامل الوعي لا ينقصه إلا من ينير طريقه للتقدم والحضارة والرفاهية.
أيوب مقتنع أن العلة في المواطن نفسه وأن المعركة ضد التخلف طويلة وشاقة وتتطلب أجيالا وليس بوسع أية حكومة ولو كانت من الأنبياء أن تحل مشاكل التخلف التي يرزح تحت وطأتها وطننا بل كل ما يمكنها أن تفعل هو وضع البلد في سكة التغيير أي في بداية الطريق وهذا يتطلب نكران الذات والتضحية بمصالح آنية حزبية وشجاعة كبيرة !!!.
من بين الأسباب كذلك التي شجعت أيوب على العودة للمحافظة هو اعتباره أن الاختلاط بالمحافظة والمحكمة والمحامين والدرك مدرسة ميدانية لبناء قدراته النفسية وكان يسعد كلما خرج من هذه المحافل واستطاع التحكم في أعصابه وحافظ على برودتها رغم كل مظاهر العبث الإداري والبؤس واللامعقول الذي يصادفه.
عاد إذن أيوب للمحافظة من جديد ووجد محافظا جديدا يجهل الكل عن ملفه، وتحمل من جديد أتعاب التنقل من مراكش إلى ابن جرير عدة مرات حتى أصبح المحافظ على بينة من الملف وكل تشعباته. فالمحافظ الجديد وعلى نهج سالفيه يبدأ دراسة الملف من جديد ويبدأ الدراسة منذ أن وضع الملف في المحافظة، فهولا يثق في من سبقه خصوصا وأن فضائح بعض المحافظين أودت بهم للسجن.
كان السفر لابن جرير عذابا بالنسبة لأيوب رغم الطريق السيار الذي سهل المسافة وأمنها فابن جرير بالنسبة له منطقة منكوبة وليست فال خير عليه، فالطبيعة قست عليها أكثر من غيرها من مناطق المغرب حيث أن أغلب مساحاتها غير صالحة للزراعة ثم إنها تفتقد للماء وهو الأساس في كل تنمية فلاحية ناهيك على أن البنية القبلية لساكنتها توجد خارج العصر. وأن زعمائها (الأعيان) الأولون لم يخلفوا ولو معلمة تراثية واحدة في منطقتهم رغم قربهم من مراكش.
وفي السنوات الأخيرة فرغم اكتشاف الفوسفاط في هذه المنطقة فإن الساكنة لم تستفد من هاته الخيرات إلا نزرا قليلا وبقي الفقر والأمية سيدي المظاهر لدى الساكنة. كم كان أيوب يشفق على أحد أبناء المنطقة (ابن جرير) الذي بلغ مرتبة عليا في الدولة وأراد النهوض بمنطقته، فلا الطبيعة مساعدة ولا البشر مؤهل والتخلف الفكري ضارب في الأعماق ورغم كل الجهود المبذولة لتنمية المنطقة رغم حسن النوايا فهي تظل دون المستوى ودون الجهود المبذولة والميزانيات التي تم إنفاقها.
كان أيوب يقول مع نفسه لو كنت مكان ابن البلد هذا لاخترت مسارا آخر لتنمية منطقة الرحامنة، لو كان مكانه لاختار رحاب الجهة فهي على الأقل تتوفر على بعض المقومات (فلاحة، سياحة، مآثر تاريخية، موانئ، جبال سياحية وإمكانيات بشرية مؤهلة لا بأس بها(. وأكيد أنه لوتم استثمار كل الإمكانيات في تراب الجهة وفق منظور متكامل ستتطور الجهة ومعها منطقة بن جرير.
لنرجع إلى مشاكلنا الصغيرة ولنترك جانبا تنمية الجهة ومنطقة الرحامنة فهذا شأن كبير لا حيلة لنا فيه.
رجع أيوب إلى المحافظة وكالعادة طلب من المحافظ أن يبعث بطلب المؤازرة للوكيل العام وسلمه نسخة واتصل أيوب بالوكيل الجديد وأطلعه على خبايا الملف وتحدث الوكيل لنقيب الدرك وكل الاستعدادات جارية لكي لا تتكرر المهزلة.
بقي لأيوب عنصر واحد وهو التقني لكي يوضح له ما ينبغي القيام به، أي تحديد البقعة الثالثة. ووعده المحافظ بأن يفعل. وبعد أيام زار أيوب المحافظة واتصل بالتقني وطلب منه أن يطلعه على ورقة القيام بمهمة المسلمة له من طرف المحافظ واستجاب الأخير لطلب أيوب وهكذا اطمأن قلبه باطلاعه على الوثيقة التي توضح بجلاء ما ينبغي القيام به.
جاء اليوم الموعود وتمت الأمور كما كان معدا لها بإتقان حيث لم يغفل أي عنصر من محافظة ومحكمة ودرك وتقني، وقضي الأمر حيث تم إنجاز المحضر بدون أي اعتراض. لم يبقَ أمام أيوب إلا انتظار بعض الوقت حتى تكتمل عملية التحفيظ فالأساسي تم بتحديد البقع الثلاث وما دونها فهو ملك أيوب بدون منازع.
انتظر أيوب كعادته بضعة أشهر وقصد المحافظة. كان أيوب يمهل دائما إدارة المحافظة لأنه شهد عن كثب ضخامة الملفات المطروحة عليهم وأساليب العمل البدائية وتقنية الموظفين الذين يشتغلون بدون أي حماس أو حافز زيادة على مناخ اللامسؤولية التي يشتغل بها الأطر فكل صغيرة وكبيرة تعرض على المحافظ ليقرر فيها.
وخلال العشرات من الزيارات التي قام بها أيوب للمحافظة لاحظ بعض التغييرات كدخول الحواسيب خصوصا لدى المصلحة الطبوغرافية، وتوظيف العنصر النسوي بل مؤخرا هنالك إعلان في بهو المحافظة ينص على أن المحافظة في خدمة المواطنين ويطالبهم بالاتصال برقم مفتوح إن تعرضوا لمضايقات أو طلب رشوة.
أيوب خلال كل هذه المرحلة الممتدة من بداية التسعينات إلى اليوم كان على اتصال بالمحافظة والمحكمة والمحامين والفلاحين والقياد وبما أنه أحد المتتبعين عن كتب للشأن السياسي حاول البحث عن تأثير كل هاته الحكومات المتعاقبة من حكومة التقنوقراط فحكومة التناوب إلى حكومة العدالة والتنمية، على هاته الإدارات وساكنة العالم القروي. للأسف الشديد كل هذه التحولات التي شهدها المغرب بما فيها الدستور الجديد الذي عقدت عليه كثير من الآمال لم يكن لها أي تأثير على كل هاته الإدارات وكأنها في بلد آخر فالمحافظة هي المحافظة والمحكمة هي المحكمة والدرك هو الدرك وبؤس الفلاحين وجهلهم لم يتغير كثيرا اللهم إذا استثنينا بعض التنطع ومواجهة الإدارة عن غير حق في غالب الأحيان بدعوى حقوق الإنسان !!!.
المهم أيوب يعرف جيدا (خروب بلادو) ويشعر بنشوة كبيرة حيث استطاع أن ينجز هدفه بالوسائل القانونية المتاحة دون تدخل من أية جهة ودون استغلال العلاقات رغم التكلفة الباهظة من حيث الزمان والمصاريف.
لما طرق باب المحافظ أخبره هذا الأخير بأن ملفه لازال قيد الدرس. استغرب أيوب ولم يجد أي مبرر لهذا التعطيل فمسطرة التحفيظ تمت وبدون أي اعتراض. في لقاء آخر مع المحافظ أخبره هذا الأخير، أن سبب التعطيل هو أن مساحة البقعة الثالثة التي حددها التقني تفوق المساحة المنصوص عليها في عقد البيع فسأله أيوب وما العمل؟ أجاب المحافظ ضرورة إعادة التحديد. مباشرة وبدون تردد اقترح أيوب على المحافظ أنه مستعد للتنازل لخصمه على المساحة الزائدة للبقعة وهذا أهون عليه من إعادة عملية التحفيظ التي استغرقت كل هاته السنين.
خاطبه المحافظ هل أنت مستعد حقا لتوقيع التنازل لفائدة خصمك؟ نعم وألف نعم سأوقع أي تنازل تطلبونه المهم وضع حد لهذا العبث وبأي ثمن فلم أعد أقوى على دخول المحافظة أو المحكمة أو الدرك!
طلب منه المحافظ بعد موافقته على تقرير التحديد الأخير أن ينتظر بعض الأسابيع ويعود ليتسلم سجله العقاري.
مرت بضعة أشهر وعاد أيوب للمحافظة ونشوة النصر تعتريه، حيث أن عملية التحديد تمت بسلام وبرضى الجميع وما همه أن تنازل على بعض المئات من الأمتار بالمجان فوقته أثمن وأغلى من هذه المساحة.
مرة أخرى لم يجد أيوب سجله العقاري كما كان يتوقع ولما استفسر المحافظ أجابه هذا الأخير أنه في الوقت الذي كان الطوبوغراف يهيئ الرسم العقاري اكتشف أن الطريق المحادية لضيعة أيوب والتي تمت معاينتها من طرف التقني لا تتناسب من حيث المكان مع الطريق المرسومة في إحدى خرائط المنطقة التي توجد بالمحافظة.
وما العمل سأله أيوب؟ أشار عليه المحافظ بأن يذهب إلى مديرية التجهيز بالمنطقة فهي تتوفر على كل الخرائط ويطلب منها أن تسلمه شهادة تثبت بأن الطريق الموجود في الخريطة هي نفس الطريق التي عاينها التقني!!!
هنا بلغ السيل الزبى كما تقول العرب ونفسية أيوب لن تتحمل ولن تغامر بولوج إدارة إضافية في هذه المرحلة.
وقرر أن يرتاح بعض الوقت ويسافر إلى بلاد برا حتى ينسى ولو لحين هموم الإدارة والفقر والسياسيين في المغرب. وعندما سيعود سيستأنف المعركة بأمل أن يطيل الله في عمره حتى ينجز هذه المهمة “التاريخية” والتي لا يهدف من ورائها كسب مال بل فقط طمأنينة نفسية وشعورا بالنصر على الإدارة والتخلف في إطار القانون. لم يعد ثمن الأرض يعنيه لاهو ولا أبناؤه فقد أقسم بألا تطأ أقدام أبنائه هاته المحافظة ولا المحكمة ولا أية إدارة في بن جرير.
هكذا إذن كتب على أيوب أن يسبر غور إدارة بلده التي طالما ترددت أوصافها على مسامعه في الهيئات التي شارك فيها من أحزاب ونقابات وجمعيات ومؤسسات دولية، فهي إدارة فاسدة وبيروقراطية باعتراف الجميع. أما بخصوص وجود بعض الأطر النزيهة والمهنية في جميع الإدارات المغربية فهذا استثناء لا يغير من الجوهر.

السبت 12 أغسطس 2017 23:43
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

الافلات من العقاب في جريمة اغتصاب جماعي لفتاة قاصر ، يدفعها لوضع حد لحياتها

إجراءات جديدة لتشجيع الاستثمار و تحسين مسطرة دراسة المشاريع الكبرى وتفعيل تدابير الأمن والسلامة موضوع اجتماع بين الوكالة الحضرية لمراكش والوقاية المدنية

Related posts
One Response to “رحلة أيوب مع التحفيظ العقار”
  1. عبدالرحمان
    # 16/08/2017 at 09:10

    أنت أيوب خير الصابرين كان الله في عونك وعون الجميع

Leave a Reply