صدقت يا” ناهض حتر”..ولكن!

qadaya 0 respond

د. صلاح عودة الله-القدس المحتلة –  قرأت مقالا للكاتب ناهض حتر بعنوان”الأبطال والهستيريا”, وفيه يتطرق لخطاب السيد حسن نصر الله الأخير, وموقف حركة حماس من قادة سوريا وما يجري فيها, حيث وبصدق يتهم هذه الحركة بأنها قامت بعض اليد التي مدت اليها المساعدة في وقت تخلت عنها العديد من الدول العربية, فقد كشف نصر الله بأن الأسلحة التي استخدمتها مقاومته في حربها ضد الكيان الصهيوني وكذلك تلك التي استخدمتها حماس تم ارسالها من سوريا.

وقبل التطرق الى ما جاء في مقال حتر, لا بد لي من وقفة تاريخية ومن خلالها يأتي ردي على مقالة ناهض حتر اكمالا له ووضع بعض النقاط على الحروف: 

منذ الاعلان عن اقامة حركة حماس وهي امتداد لجماعة الاخوان المسلمين في فلسطين , عرفها مؤسسوها بأنها حوكة مقاومة, ومن هنا يأتي أسمها”حركة المقاومة الاسلامية”, ومن أهم أهدافها هو تحرير كامل التراب الفلسطيني, وعدم الاعتراف بالعدو الصهيوني ورفض التفاوض معه, وقد قامت هذه الحركة باتهام حركة فتح بأنها اعترفت بالكيان الصهيوني وبذلك تنازلت عن ثلثي أراضي فلسطين التاريخية.

ومع مرور الوقت حولت حركة حماس اتجاهها ودخلت الحياة السياسية ومن ثم الانتخابات الفلسطينية وكتب لها الفوز فيها, لا لأن الشعب يريدها, بل لأنه أراد التغيير بعد أن يئس من حركة فتح وتصرفات بعض قادتها, وقد تناست حماس بأن دخولها العراك الانتخابي يفرض عليها أن تغير نهجها من نهج مقاوم الى نهج أيضا يفاوض.

ومن هنا بدأت هذه الحركة بالتراجع تدريجيا عن أهدافها, فقد أعلن خالد مشعل وغيره من قادتها بأن الحل المرحلي مقبول, أي اقامة الدولة الفلسطينية على حدود الخامس من حزيران, وهذا ما طالبت به حركة فتح, وفي نفس الوقت فقدت حماس الجزء الأكبر من مصداقيتها. 

وبامكاننا القول بأن حماس تمكنت من بناء علاقات تثير الجدل لصعوبة الجمع بينها، في ظل متناقضات عدة في محيط عربي وعالمي عاصف ومتغير خلال خمسة وعشرين عاماً من عمرها.

فمنذ انطلاقتها أسست حماس لعلاقات قوية مع إيران والسعودية، وهما البلدان المتنافسان على زعامة منطقة الخليج العربي. وحافظت على علاقات متميزة مع حزب الله وتيار المستقبل اللبنانيين المتناحرين، كما امتلكت علاقات متميزة مع سورية التي مرت بمراحل عاصفة في علاقتها مع السعودية وقطر.لكن تطور الأحداث في ظل الحراك العام في المنطقة يضغط على حماس باتجاه تحديد علاقاتها ومصالحها في شكل أكثر وضوحاً، إذ بات من الصعب الجمع بين علاقة جيدة مع إيران والسعودية في الوقت نفسه، والأمر ذاته ينطبق على علاقتها مع قطر وسورية.. فلم يعد ممكناً عقد التحالفات على أساس مصالح ذاتية آنية، بل وفق مصالح عليا بعدما تغيرت خريطة المنطقة العربية على نحو دراماتيكي فاجأ حتى أبرز المتحمسين للربيع العربي.

ولحركة حماس قيادة داخلية في قطاع غزة وأخرى خارجية معظم تمركزها كان لفترة قصيرة في سوريا.

مما لا شك أن ما هو حاصل في سوريا هو نتيجة تأثر طبيعي بالثورات العربية التي سبقتها، والنظام السوري كغيره من الأنظمة العربية القمعية الدكتاتورية ولا أستثني منها أحدا عانى منه الشعب السوري كما عانت باقي الشعوب من أنظمتها، وعليه فمن الطبيعي في ظل حالة الاجتياح الثوري الشعبي الذي يشهده العالم العربي أن يتأثر الشعب السوري ويسعى نحو التغيير، ولكن من الخطأ أن نظن أن سيناريوهات التغيير في الوطن العربي يجب أن تتشابه من حيث سرعة وطبيعة التغيير، فكل قطر عربي له خصوصيته وتعقيداته الداخلية والخارجية، وعليه قد يصاب العديد من الناس بالإحباط في حال تأخر أو فشل الثورة في بلد عربي، وذلك لعدم إدراك الجميع لهذه الخصوصيات والتعقيدات، فعلى سبيل المثال الثورة الفرنسية استمرت عشر سنوات من الزمان حتى نضجت.

وبالعودة الى حركة حماس, فقد قامت سوريا قيادة وشعبا باحتضان قيادتها وكوادرها في الخارج بعد أن رفضت كل الدول العربية من المحيط الى الخليج هذا الأمر.

ومن خلال بيانين رسميين، صدرا عن قيادة حماس في دمشق، منتصف العام الماضي، جرت محاولة الوقوف على الحياد بذريعة عدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، واعتبار الصراع الدائر شأناً داخلياً سورياً، وهو ما أثار حفيظة القيادة السورية والمعارضين لها على حد سواء، فقد انتظرت حكومة دمشق من حماس نوعاً من رد الجميل والوفاء على حفاوتها واحتضانها لسنوات طويلة للقيادة الحمساوية تحت شعار الانتصار للمقاومة. أما المعارضة فشعرت أن الهبات الكبيرة، عينية ومالية، التي منحها السوريون لحماس ذهبت إلى غير مكانها الصحيح إذ كانوا ينتظرون موقفاً واضحاً وشبيهاً بمواقف الحركة من ثورات تونس، مصر، وليبيا.. ويذهب هذا الموقف ببعض أقطاب المعارضة السورية إلى التهديد بإنهاء وجود حماس، وتنظيمات فلسطينية أخرى بطبيعة الحال، في سورية، إذا ما استطاعت الوصول إلى سدة الحكم.

وفي مسعى لحل هذه المعضلة أعلن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة، قبل أكثر من شهرين عن إمكانية قيام الحركة بمبادرة للتقريب بين فرقاء النزاع في سورية، ولكن على ما يبدو فإن أية مبادرة حمساوية ليست مطلوبة على الساحة العربية عموماً، والسورية خصوصاً، خصوصاً أن حماس نقلت مركز نشاطها من دمشق إلى ساحات أخرى كتونس ومصر وقطر وغيرها، مستفيدة حيناً من وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم، وفي أحيان أخرى من حاجة دول أخرى للبقاء قريبة من اللاعبين الأساسيين على الساحة الفلسطينية. ولهذه الأسباب ظلت المبادرة مجرد تصريح عابر ولم نشهد مفاعيل لها على أرض الواقع. 

مفاجأة من العيار الثقيل:

بعد عدة أشهر من “الغموض” الذي اكتنف موقف حركة “حماس” مما يجري في سوريا ، حسم اسماعيل هنية، موقف حركته ، ودعا نظام الأسد إلى الرحيل. وقالت وكالة “أنباء الشرق الأوسط” المصرية إن هنية أكد وقوف حركة حماس الى جانب الشعب السوري ودعا نظام الرئيس بشار الأسد الى الرحيل، وهذا بعد غموض لف موقف حماس من الأحداث في سورية منذ اندلاعها منذ سنة تقريبا. وحيا هنية، خلال وقفة تضامنية من أجل “انقاذ الأقصى ونصرة الشعب السوري” في جامع الأزهر بالقاهرة الشعب السوري في شهرشباط الماضي:”اذ احييكم وأحيي كل شعوب الربيع العربي بل الشتاء الاسلامي، فأنا أحيي شعب سورية البطل الذي يسعى نحو الحرية والديمقراطية والاصلاح. وذكرت وكالة “أنباء الشرق الأوسط” المصرية أن هنية أدان ممارسات نظام الرئيس بشار الأسد ضد شعبه، مطالباً بإزالة هذا النظام “الغاشم”.

وتعتبر هذه المرة الأولى التي يصدر فيها موقف صريح من حركة “حماس” على الاحتجاجات في سورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد الذي لطالما وفر الدعم للحركة واستضاف مقارها في سورية،

يشار إلى أن هذا الموقف جاء بعد بعد الصفقة التي أبرمتها “حماس” ، وهي فرع  الأخوان المسلمين في فلسطين، مع الحكومة القطرية “من تحت الطاولة”، وقضت بتحويل الحركة إلى حزب سياسي تدريجيا ، وإنهاء المقاومة المسلحة والاعتراف بالكيان الصهيوني ضمنا من خلال القبول بفلسطين على حدود الخامس من حزيران، التي لم يبق منها شيئ تقريبا هي الأخرى بسبب القضم الصهيوني لأراضيها.

من المعروف بأن حركة حماس تمر بحالة من عدم الاستقرار لم تشهد لها مثيلا من قبل, فأحداث سوريا الصادمة لها والبحث عن مقر يكون بديلا لمقرها في دمشق, والمصالحة غير الواقعية وغزة المعزولة, وكذلك تراجع شعبيتها وقضايا متعددة مرتبكة بمصر وثورتها, جعلت حماس تبحث لها عن موقف, ويبدو بأنها تبحث لها عن موقع لا عن موقف, ومن هنا جاء موقف حماس الجديد, ويكمن بالبحث عن موقع في المعادلة في المنطقة. 

جملة من الأحداث والمواقف المتعلقة بحركة “حماس” في الفترة الأخيرة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الحركة وعلى نحو علني وفي مستويات مختلفة من القاعدة التنظيمية إلى القيادة، وتحليلات مهتمة لدى أوساط مختلفة من المراقبين والمهتمين، وقد تتابعت هذه الأحداث على نحو متسارع يعجز المتابع عن ملاحقتها بعمق ودراية، وتنوعت ما بين شأن داخلي خاص بالحركة، أو متعلق بتعاطي الحركة مع التغيرات العنيفة التي تضرب الإقليم.

ويمكن ملاحظة الطرافة في آراء المحللين التي تخبطت ما بين اتهام مشعل أول مرة بالانحياز للنظام السوري بخلاف قيادة غزة “الأقرب إلى جماعة الإخوان المسلمين” بحسب هذه الآراء، ثم انقلابهم على هذا التحليل بعد أن خرج مشعل من سوريا ورفض مقابلة الأسد بينما توجه هنية إلى إيران حيث انقلبت التهمة إلى النقيض.

على أية حال، ورغم هذا التتابع السريع، واتساع المساحة الموضوعية التي تتداعى عليها الأحداث، فإنه يمكن لنا أن نجمعها في نقطة مركزية تنفتح على تساؤلات حول مستقبل “حماس” وخياراتها القادمة، وإعادة تشكيلها لخطابها السياسي، وبنائها لتحالفاتها القادمة.

يظهر أن الحركة قد اختارت الانحياز لخيارات الحركة الإسلامية الأم، أي جماعة الإخوان المسلمين، وأن تستجيب للضغوط الشعبية الغاضبة من المشاهد اليومية القادمة من سوريا، وأن تعيد تموضعها سياسياً مؤقتاً بالابتعاد عن النظام السوري ومحاولة فتح آفاق جديدة في مصر، ومد جسور الصلة بدول الخليج وتعزيزها مع صديقها القطري، الأمر الذي أخرجها من حالة الحياد والتحفظ تجاه الأحداث السورية الأخيرة إلى اتخاذ موقف منها معارض للنظام وواضح في دعم مطالب خصومه في الداخل؛ إلى حين انكشاف الغموض الذي يلف الإقليم عن المشهد الأخير، حيث باتت الحركة –كما يظهر من مواقفها الأخيرة- تراهن على مآلات الربيع العربي وإمكانية التمكين للإسلاميين في هذه البلدان.

وطالما أن المقاومة هي المكون البنيوي الأساس للحركة، فإن هذا الوضع الجديد سيكون مغامرة كبيرة بمستقبلها وخياراتها في تأسيسه على افتراضات مستعجلة لا تزال أقرب للأماني منها إلى الوقائع، بل إن بعض الوقائع لا تزال في تعارض كامل مع “حماس” كحركة مقاومة، ويكفي للتدليل على هذا، الأقوال التي نسبت لرئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم في لقاء جمعه بمعارضين سوريين في القاهرة كما نشرتها بعض وسائل الإعلام، ومنها قوله: “إن حركة حماس قد انتهت كحركة مقاومة مسلحة، لأنها لن تجد من يحتضنها بعد خروجها الذي بات مؤكداً من سوريا”، وذهب حمد بن جاسم إلى أن: “الإخوان المسلمين في مصر لن يتمكنوا من حماية حماس كما هي الآن حركة مقاومة مسلحة بسبب اتفاقية كامب دافيد ووجود الجيش المصري والضعف الاقتصادي الكبير الذي تعانيه مصر فضلاً عن عدم الاستعداد النفسي للمجتمع المصري للدخول في حرب على حدود مع فلسطين، فيما لا يمثل إخوان الأردن حالة احتضان لأن الوضع الأردني لا يمكن له تحمل هذا العبء.

وبكل تأكيد فإن قطر ورغم انتهاجها سياسة خاصة أكثر مبادرة وتوازناً من بعض دول الخليج الأكثر تحفظاً واحتفاظاً بنمط واحد من العلاقات والسياسات، ورغم انفتاحها الإيجابي على “حماس” فإنها وهي الدولة التي تستضيف أهم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة لا يمكن لها أن تمنح “حماس” ما تحتاجه من الدعم الذي يلزم مقاومتها، وأكثر ما يمكنها أن تقدمه لحماس مجرد استضافة لبعض قياداتها دون حراك فاعل على أرضها يسند المقاومة في الداخل، وفي المقابل فإنه لا يمكن لحركة مقاومة لـلكيان الصهيوني أن تقود مقاومتها تحت سمع وبصر الـمخابرات المركزية الأمريكية.

وهذا ما قد يعطي الوجاهة للاستنتاج القائل بأن دفع “حماس” لقطع شعرة معاوية مع النظام السوري، والتخلي عن الدعم الإيراني، والمراهنة على تطورات الربيع العربي، مؤامرة على مقاومتها، أكثر مما هو حرص على ضرورة اتخاذ موقف أخلاقي من الدماء التي تسفك داخل سوريا. 

فالإسلاميون بعد استلامهم مسؤولية الحكم، وتحملهم تبعات هذه المسؤولية، وحرصهم على النجاح في النهوض بأوطانهم، وبالتالي تجنب المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية وما قد يتبعها من حصار ومحاولات إفشال، مختلفون عنهم وهم في طور المعارضة ومقاومة حملات القمع والاستئصال التي كانت تمارسها عليهم الأنظمة السابقة، فهذه الدول لن تعجز فقط عن تقديم مستوى دعم وإسناد يماثل ما كان يقدمه النظام السوري أو الإيراني، بل إن خطابها السياسي سيتغير كما يظهر منذ الآن، فضلاً عن كون بعض القوى الإسلامية من غير الإخوان لم يعرف عنها في مرحلة ما قبل سقوط الأنظمة السابقة خطاب يتبنى القضية الفلسطينية ويدعم مقاومة شعبها، وهي أميل لتناول الموضوع الفلسطيني من بوابة الفتوى منها إلى بوابة المبادئ الراسخة، حيث تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان وتبقى اجتهاداً يؤجر صاحبه على أية حال.

لقد شكلت الثورات العربية بالنسبة لشعوبها فاتحة أمل على الحرية والكرامة، وشكلت بالنسبة للفلسطينيين فاتحة أمل على تغيير في المشهد الإقليمي يتحرر من القبضة الأمريكية وينفتح حاضنة لهم، وينهض رافعة لمقاومتهم، خاصة مع سقوط حسني مبارك، ولا شك أن ما كان أملاً مفاجئاً ومدهشاً بالنسبة للفلسطينيين كان كابوساً داهماً على عدوهم، وكان مربكاً ومخيفاً لبقية الدول التي لم تزحف إليها هذه الثورات، إلا أن هذه الدول خاصة في المشرق العربي الأقرب للصراع في فلسطين، تمكنت من تجاوز الارتباك والمبادرة إلى الفعل كما ظهر في اليمن، ويظهر الآن في سوريا، وفي دعمها لنظام الملك الأردني المرتبط مع الصهاينة باتفاقية سلام قوية ومتينة، وهذه الدول الحليفة والداعمة لخصم “حماس” السياسي لم تخف يوماً سوء موقفها من “حماس” ـ باستثناء قطر ـ ومعارضتها لمقاومتها، حتى أن إحداها منعت قنواتها الفضائية الكثيرة من تغطية الحرب على غزة في أواخر العام 2009, واعتبرت مقاومة “حماس” مقامرة بدماء الفلسطينيين بينما هي اليوم تشجع السوريين على مزيد من الثورة وبذل الدماء.

أما الأردن، والذي استجاب بعد عنت للوساطة القطرية على استحياء واستقبل مشعل ووفد المكتب السياسي لحماس في مراسم بروتوكولية لم تتطور إلى إجراء عملي، فهو أبعد ما يكون عن استضافة “حماس” على أراضيه التي تستضيف السفارة الصهيونية, ولا تزال الذاكرة تحمل صوراً من سنوات مضت تتحدث عن الإذلال لقيادة “حماس” حين طردها النظام الأردني مكبلة أسيرة بعد اعتقال بضعة أسابيع, بينما كانت حتى خروجها من سوريا مكرمة عزيزة منيعة.

وإن كان من المبكر اعتبار هذه المسائل مؤشراً على السياسات القادمة لمصر بعد استقرار النظام السياسي الجديد فيها، فإنها قد تكون مؤشراً صالحاً على المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الإسلاميون في تبني القضية الفلسطينية.

ان ما أسلفت لا يشكك في الثورات، فالثورات التي تقدم الشهداء هي ثورات شريفة بالضرورة، لكن القراءة المتجردة من الاندفاع العاطفي لا يمكن لها إلا أن تلحظ مصالح القوى المختلفة الداخلة على خط هذه الثورات، وهذا سلوك طبيعي، لأن القوى الحريصة على مصالحها ستتحرك للمساهمة في صياغة الثورات وما بعدها لضمان مصالحها.

أما بلاد الثورات بعد انقضائها، فسوف تحرص على السلامة, لتجنب أية مواجهات فوق طاقتها من شأنها الإضرار بالنهوض الذي ترجوه لاقتصادها ومجتمعها، فهذه القراءة تتناول اللحظة الراهنة والأفق المنظور، في إطار نقدي موضوعي، يتفهم السياسات الخارجية الحذرة لهذه البلدان، ولا يشتط في الذهاب إلى تصويرها على نحو تآمري، وتقديمها على أنها سياسات دائمة، كما أن هذه السياسات في المدى المنظور قابلة للتغير بشكل ثوري لأسباب الفاعلية الداخلية في بلدان الثورات أو لأسباب خارجية غير متوقعة، ونحن لا نستبعد هذا الاحتمال رغم صعوبة التكهن بالفاعليات الممكنة لتخليقه. 

اننا ننتقد تعاطي “حماس” مع المتغيرات الإقليمية والمؤثرات في صياغة مواقفها، أكثر من نقد أوضاع بلدان الثورات ودول الإقليم، فمن الطبيعي أن تحرص تلك البلدان على مصالحها، ومن الممكن أن تتعارض مصالحها مع مصالح “حماس” كحركة مقاومة، وبالتالي من الطبيعي أن تخطئ “حماس” إذا قررت سياساتها بما يراعي مصالح الآخرين سواء كانوا قريبين منها كـ “الإخوان”، أو بعيدين عنها كبعض دول الإقليم التي تحاول اليوم استخدام الثورة السورية لإسقاط النظام السوري أو الضغط عليه وتصفية الحساب معه وتفكيك المحور الذي ينتمي إليه.

ان التغيرات الإقليمية التي أخرجت “حماس” من سوريا، وشتت قيادتها التنظيمي في عدد من البلاد، واضطرتها إلى بلاد أخرى مثل قطر وتركيا الخصمين الكبيرين في هذه الفترة للنظام السوري، وانقطاع التمويل الإيراني عن الحكومة في غزة، والمراهنة على التغيرات الممكنة في بلدان الثورات العربية؟, وإلى أي مدى يمكن النظر من هذا المستجد إلى مستقبل مقاومة “حماس” وإمكانية التغيير في خطابها السياسي؟ وبالتالي تكون مثل هذه الخطوات مستعجلة أو اضطرارية ألجأت “حماس” نفسها إليها بعد أن تجاوزت موقفها الأولي من الأحداث السورية إلى مواقف جديدة لا يفهم منها إلا الانحياز ضد النظام السوري، وقد كان يمكنها لو استمرت على موقفها الأولي الذي اختار الصمت أن تحتفظ بمواقعها في سورية، وتعطي نفسها فسحة من المراقبة المتأنية للأحداث لتقرير سياسات غير مستعجلة ولا اضطراراية  ولا تكون على حساب مشروعها الأساس.

تشهد المنطقة اصطفافا خطيرا تديره بالخفاء الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وتقوم على تنفيذه عمليا قطر والسعودية وتدفع بميزانيات ضخمة لانجاح هذا الاصطفاف، ويلاحظ أن قوى وتيارات كانت لوقت قريب في صفوف المتصدين للسياسة الامريكية الصهيونية، فقد قفزت من سفينة المقاومة والممانعة لتنتقل الى الخندق الاخر الذي بات يحظى بدعم وتأييد الاسلام السياسي الذي يشارك اليوم بقوة وباسناد امريكي خليجي تركي لضرب ارادة الشعب السوري الى درجة تجنيد مرتزقة للقيام بتفجيرات ارهابية دموية. 
وبوضوح أكبر، حركة حماس التي تمارس دورها في ساحة تعيش ظروفا استثنائية، ومنذ قيامها احتضنتها الجماهير السورية رغم مواقف الجهات المعادية وتعرضت سوريا للضغوط وأشكال الحصار المختلفة من أجل دعمها لحركات المقاومة، ومن بينها حركة حماس، غير أن الحركة ضربت عرض الحائط هذه السنوات الطويلة من الاحتضان، وراحت تتجنى على القيادة السورية الى درجة وقوفها الى جانب امريكا ودول الخليج، وغادرت قيادات الحركة الى قطر وغيرها من البلدان العربية.،

حركة حماس لم تلتزم باستثنائية الظروف في الساحة الفلسطينية وضرورة التقيد بذلك، والابتعاد عن الأجندات الخارجية، وهي تناست الدعم السوري لها، وخضعت لحركة الاخوان وقطر، وتوجهات ومسلكيات ومواقف، وهي بعيدة كل البعد عن مصالح شعوب الأمة العربية وقضيتها المركزية. 

والتساؤل المطروح، بقوة، هو:
هل يعقل أن تصطف حركة حماس داخل الخندق الصهيوني الامريكي الخليجي التركي، ضد شعوب الامة، وشعب سوريا الذي يتعرض لحرب كونية، وهل تقبل حركة حماس بتدمير شعب سوريا الذي احتضن قياداتها، وان تتعاون في ذلك مع قطر وامريكا، وهل يعقل ان تتجاهل حماس قضية الأمة المركزية ارضاء للتقارب وفتح القنوات بين حركة الاخوان وامريكا واوروبا، وكيف سمحت حماس لنفسها أن تنزلق الى هذه الطريق الوعرة التي قد تفقدها شعبيتها وقواعدها في الساحة الفلسطينية. 
ان قيادات حماس تدرك ان المؤامرة التي تتعرض لها سوريا تستهدف وحدة شعبها واراضيها، وفتح الساحات امام التغلغل الاسرائيلي، وصولا الى تصفية القضية الفلسطينية، وتدرك هذه القيادات ان ما تتعرض له سوريا هو مؤامرة شرسة امريكية اسرائيلية خليجية، عبر حرب ارهابية دموية. 
كان الأجدر بحركة حماس أن “تحتمي” وراء الظروف الاستثنائية التي تعيشها الساحة الفلسطينية، وهي بالتالي، ترفض الوقوف الى جانب امريكا وعملائها ضد سوريا شعبا وقيادة.
هذا الشعب الذي احتضن الحركة عشرات السنين، وعانى الكثير بسبب الحرص على هذه الحركة، التي قلبت ظهر المجن خدمة لحقد امريكا وعداء الصهاينة وخيانة دول الخليج. 
حركة حماس لم تكتف باللحاق بالركب المتآمر على سوريا، بل، انطلق قادتها يهاجمون سوريا وشعب سوريا، وكأنها لم تكن يوما في رعاية هذا الشعب.

نقر ونعترف بصعوبة اتخاذ قرار رحيل حماس ومغادررتها دمشق، إلا أن قرارا مثل هذا سيقاس بميزان من ذهب, ففي سوريا ليس النظام وحده من يحتضن حركة حماس وقوى المقاومة، بل الشعب السوري بكافة أطيافه يرفع القبعات لحركة حماس وغيرها من فصائل المقاومة ويدعم وجودها, واليوم هذا الشعب يتعرض لأزمة مع النظام، فبالتالي الأمر بالغ التعقيد والصعوبة، فحماس كما أكدنا في أكثر من مرة لم تكن يوما جزءا من النظام، رغم أنها أعلنت موقفا مكتوبا علينا بامتنانها لسوريا التي احتضنتها طوال السنوات الماضية ودفعت ثمنا باهظا لذلك دون أن تعطي شرعية لطبيعة سلوك النظام تجاه الشعب لمّا لذلك من إشكال أخلاقي ومبدئي بعكس ما ذهبت إليه قوى أخرى فلسطينية ولبنانية حليفة لسوريا وقفت على يمين النظام.

ولكي نكون منطقيين، ما من دولة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج ستمنح حركة حماس أرضية سياسية وأمنية وإعلامية وحتى عسكرية كما فعلت سوريا..أيا كانت هذه الدولة قطر أو مصر أو الأردن أو السودان، لن تسمح لحركة حماس بممارسة علمها السياسي بحرية ولن تكون على استعداد لخسارة علاقتها أو مواجهة أميركا وإسرائيل من أجل عيون حماس.
ونشدد على أنه إذا ما قررت حركة حماس الانتقال إلى أية دولة أخرى فلا بد أن تصطدم بشعار:” الالتزام بأدب الضيافة “، وأقصد هناً إلى أن ما يجري في سوريا يختلف عما جرى في مصر، فسوريا بمثابة الحليف والرافد الاستراتيجي للمقاومة, وهذا ما قد لا تجده حماس في عواصم أخرى من ناحية حرية العمل الإعلامي والسياسي.
نتفق على أن حركة حماس لم تكن يوما من أدوات النظام السوري وما وجودها في سوريا إلا موطأ قدم، والآن خروجها برأيي سيصورها على أنها داعمة للنظام السوري، فالحركة ليست جزءا من المشهد الحاصل الآن في سوريا ولكن المطلوب منها أن تقف على مسافة واحدة، وألا تخرج بتصريحات قد يتم تفسيرها على أنها مع النظام، فالصمت في رأيي هنا من ذهب.

ان خروج حماس من سوريا، فذلك يعني أنها خسرت حليفا قويا من حلفاء جبهة الممانعة, وخروجها رسالة قوية إلى إيران التي قدمت لها الدعم في وقت تنكّر فيه الأشقاء العرب. وبالتالي لو سألتني حركة حماس وطلبت نصيحتي, لقلت لها: أنا لا أنصحك بالخروج ولا أرى مبررا لخروجك إلا في حالة واحدة وهي: “الطلب منك بصريح العبارة بالمغادرة, أو تدهور الأمور إلى خط لا رجعة فيه”.

وخلاصة الرد على ما جاء في مقالة ناهض حتر أقول, كان من الأجدر أن تلتزم حماس الصمت حيال ما يجري في سوريا لسببين مهمين:

الأول: ان سوريا قيادة وشعبا وقفت واحتضنت ودافعت عن حماس, في وقت رفضتها كافة الدول العربية.

الثاني: ويكمن بعدم مقدرة حماس من الانحياز لا للقيادة السورية ولا للمعارضة والحراك الشعبي, حماس لا تزال محتاجة الى مساعدة حليف مثل سوريا, وليس حليفا امبرياليا “كقرية قطر”, التي وصفها الراحل السادات بأنها عبارة عن “معزتين وخيمة”.

الأربعاء 25 يوليو 2012 01:10
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

العقل السياسي : رؤية نقدية

ناجي علوش : المثقف والنخبه والناس

Related posts
Your comment?
Leave a Reply