على هامش مؤتمر القمة الاقتصادي

qadaya 0 respond

     محمد علي الحلبي–   في زمن التيه والضياع،والبعد عن الحقائق والمبادئ المُرشدة للفكر الإنساني وبالتالي للسلوك القويم المرافق له يضطر المرء من حين لآخر للعودة إلى الضوابط والأسس التي ائتلفت عليها البشرية،وتآلفت معها في حياتها فكانت محطات هداية وسعادة للوجود،وفي الآونة الأخيرة تعددت التفسيرات للشرعية السياسية ،وهي التي حددها بعض المفكرين″  بمقدار  الرضا المتبادل بين السلطة والحاكم والشعب،ومقياس ذلك مدى انحياز السلطة الحاكمة لأحلام وطموح الشعب ″.
        من هذا التعريف يُستمد تعبير مشروعية السلطة، وهي التي تستند إلى رضا الشعب من خلال تحقيقها وتطبيقها للعدالة في جميع فروعها، فأحلام الشعب وعلى كثرتها وتنوعها إلا أنها تتركز في عنوان واحد يختزلها جميعها  – حياة حرّة وكريمة –
        إذاً المشروعية الوحيدة للحاكم أياً كان،وأي نظام مثله يستمد شرعيته من تأمين الشرطين الأساسيين للحكم الرشيد الصالح ألا وهما  حياة مشبعة بالحريات والكرامات بمختلف صنوفها، وان  سلمنا بهذه المنطلقات النظرية فذلك يستدعي أن الشرعية لأي نظام تتركز بمقدار نجاحه في تحقيق نمو متوازن نسبياً بين التنمويتين الاقتصادية والبشرية  الأولى بفروعها الإنتاجية في مجالات الصناعة والزراعة أولاً وفي بقية الفروع الرادفة لها لزيادة المداخيل الفردية المنعكسة بالضرورة على حصاد الدولة المالي ، والثانية البشرية في توسيع المقدرات التعليمية والخبرات للشعوب لتسهم أيضاً في رفع معدلات الإنتاج في حياة طويلة وصحية بجانب تنمية القدرات الإنسانية ، وتطوير للبنية الاجتماعية في إطار  منظمات المجتمع المدني.
        وفكرة  تتوارد إلى ذهننا في هذا المجال وقبل الدخول لدراسة الواقع الاقتصادي العربي ومشاريع التكامل الاقتصادي ألا وهي التوقف وللموضوعية عند تجارب شعوب أخرى للمقارنة وتبيان الخلل والعيوب في المسيرة الاقتصادية العربية،فالتقرير الدولي عن الدول النامية يبين أن بلدان شرق آسيا حققت معدل نمو بلغ8,2%في عام 2005 كان نصيب معدل النمو في الاقتصاديات الناشئة منها6,8%ويتفاءل التقرير بمعدلات نمو أكبر في عام2006وما يليه من أعوام،ويؤكد كبير الخبراء الاقتصاديين في إدارة منطقة شرق آسيا في البنك الدولي (هومي خراس) ذلك إذ يقول عن تلك البلدان :″ورغم تأثرها في ارتفاع  أسعار النفط فإن معدلات النمو القوية في المنطقة لها آثار كبيرة على خفض مستويات الفقر،ورغم أن580مليون شخصا  في المنطقة لا زالوا يعيشون على أقل من دولارين يومياً فإن هذا الرقم يتناقص بمعدل50مليون شخص كل عام على مدى الخمس سنوات القادمة″وتقارير الأمم المتحدة الأخيرة تشير إلى أن هذه الظاهرة ستنتهي في عام2015،وموخراً فدول أمريكا اللاتينية النامية ربط بعضها بين التعليم وبين النماء الاقتصادي فنجحت في أن تقفز إلى مراتب أفضل في قائمة الأمم المتحدة للتنمية البشرية حيث ا ارتفعت  بها معدلات الالتحاق بالتعليم وسنوات إلزاميته،ومتوسط سنوات التعليم للفرد  فاحتلت كولومبيا المرتبة السابعة والأربعين عالمياً بينما صُنفت الأرجنتين وتشيلي وكوستاريكا وبنما كدول ذات معدلات تنمية بشرية عالية.
        ولننتقل إلى واقع التنمية في الوطن العربي حيث نُصاب بالصدمة والدهشة عندما نقرأ تقرير البنك الدولي حول التعليم في الوطن العربي الذي أطلق من العاصمة الأردنية عمان في5/2/2008بعنوان (الطريق غير المسلوك…إصلاح التعليم بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)  يشير فيه إلى أن أحد أسباب ضعف العلاقة بين التعليم وضعف النمو الاقتصادي انخفاض مستوى التعليم بشكل كبير موضحاً بأن الدول العربية خصصت5%من إجمالي الناتج المحلي،و20%  من الإنفاق الحكومي على التعليم خلال أربعين السنة الماضية،وإضافة الى تدني الإنفاق  هناك أسباب عدة لهذا التراجع منها ما يتعلق بالمناهج التعليمية وضرورة تطويرها،وأوضاع المعلمين والمدرّسين،والتشديد على العناية بتأهيلهم وتحسين ظروف حياتهم المعيشية، ومقارنة مع أوجه إنفاق أخرى وعلى سبيل المثال  فالتسلح فقط  نال نسبا أعلى من الناتج المحلي فبلغ في السعودية 10,8 % وفي الأردن 6,4% والإمارات 7.6% بينما أشار تقرير ” اليونسكو للعلوم ” لعام 2010 الى أن مستوى الإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي في أقل مستوى له في العالم ,    والكارثة الأشد تأثيراً في مجال التنمية البشرية هي الأميّة،ووفق إحصائيات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم  قدّرت عدد الأميين في الوطن العربي بحوالي من 70إلى100مليون نسمة يمثلون ما نسبته  35إلى45%من سكان المنطقة،وتبلغ نسبة الإناث من الأميين حوالي60إلى80%وتقرير المرصد العالي للتعليم عام2011يفيد أن عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم في البلاد العربية يبلغ6,188مليون طفل كما أن7إلى20%من الملتحقين منهم بالتعليم يهربون منه خلال المرحلة الدراسية الأولى،وأحد الباحثين العرب وتحت عنوان قراءة متأنية في تقرير البنك الدولي عن التعليم بين أن نسبة الذين يدرسون العلوم الإنسانية النظرية  في الجامعات العربية تصل إلى70%وفي السعودية تصل إلى76%كما أن ″د.زويل″  في كتابه(عصر العلم) بيّن  أن نسبة الأوراق العلمية المقدمة من الجامعات العربية تتراوح ما بين(0%  -0,0002 %).
        هذه الحقائق المذهلة المؤلمة تضاف إليها وتكملها نكبة هجرة العقول العربية،ففي إحصائية لجامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية تشير إلى أن الوطن العربي يساهم بـ31%من هجرة الكفاءات من الدول النامية منهم50%أطباء،23%مهندسين،10%علماء،وأن54%من الدارسين في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم،وثلاث دول غربية هي أمريكا وكندا وبريطانيا تتصيد50%من المهاجرين العرب ، والأخيرة فالأطباء العرب يشكلون34%من مجموع أطبائها،وتقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام2002يقول أن اكثر من مليون خبير واختصاصي عربي من حملة الشهادات العليا والفنيين المهرة مهاجرين،ومصر في طليعة الأقطار المصدرة للعقول إذ قُدّر عدد من هاجر من علمائها بــ24ألف عالم وخبير،ومجموع الخسارة المادية لهذه الظاهرة قدّرت بحدود200مليار دولار،
وكعادة منظمة جامعة الدول ومؤسساتها التي خيّم عليها الإهمال وعشش فيها التراخي وكان ديدنها الدائم التعقيد في أداء مهامها التي أنشئت من أجلها،فقد أنشئ في عام1976اتحاد لمجلس البحث العلمي مقرّه عمّان ضمّ16دولة والكثيرون لم يسمعوا عنه،ولا ذكر لوجوده لا على أرض الواقع ولا في وسائل الإعلام لأنه وعلى لسان مديره العام    نفذ552عملية مستمرة وغير مستمرة خلال الربع القرن الذي مضى على وجوده كان منها336في مجال الأنشطة غير المستمرة لكن الأمانة تقتضي أنه قام بأكثر  من400زيارة استطلاعية منذ تأسيسه….كل هذه المآسي أضاف لها الاحتلال الأمريكي للعراق مأساة كبرى تآمره وتركه للموساد الإسرائيلي وللعملاء لقتل2461عالماً من أصحاب الاختصاصات في العلوم التطبيقية سيما منها النووية والذرية.
        واقع كل مؤشراته تعطي صورة مشوهة و متوقعة  وواضحة المعالم والمرتسمات عن مشاريع التنمية الاقتصادية للترابط الوشيج بين فرعيّ التنمية البشرية والاقتصادية…لقد طال الزمن على بدء مسيرة التكامل الاقتصادي العربي لكن حصادها كان أقل من القليل إن لم يكن معدوماً،ففي حزيران عام1950وافق المجتمعون في الجامعة العربية على معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي وفيها إشارات واضحة إلى أهمية التكامل العربي،ومن ثم الوحدة الاقتصادية العربية…وبدأ الحراك،وعُقدت الاجتماعات لهذه الغاية على مستويات عدة لوزراء الاقتصاد والمال،وأحياناً انضم إليهم وزراء الخ
 ارجية،وفي أيام الشدّة وعندما يشتد التذمر  الشعبي تُعقد قمم لرؤساء البلدان حيث بلغ عددها ثلاث قمم عُقدت في الكويت والأردن،وآخرها كان في السعودية،وما يُلفت النظر بعد ثلاثين عاما مرت على معاهدة الدفاع المشترك   فقدً صدر عن مؤتمر قمة عمّان ما سُمي بميثاق العمل القومي، ووفق عليه في26من شهر تشرين الثاني نوفمبر1980من قِبل21بلداً عربياً،ويتألف من شقين…المقدمة وعدد بنودها8بنود وقرارات تطال جميع أوجه النشاط الاقتصادي وعددها ستة عشر قراراً

        حفلت المقدمة بروائع الكلم المعبّرة عن أماني كل مواطن عربي….جاء في البند الأول انطلاقاً من الإيمان بالانتماء القومي للأمة العربية وبتراثها الحضاري،ومصيرها المشترك،وحتمية تضامنها في وجه التحديات دفاعاً عن وجودها،وتعبيراً عن المسؤولية القومية بتأمين التنمية المتوازنة بالأمن القومي والتحرر،وأن العمل الاقتصادي يمثل عنصراً رئيسياً،وإدراكاً لضرورة تهيئة الاقتصادي ليكون مهيأ للحركة المصيرية ضد التخلف والتبعية،وأن يُعبّأ في مواجهة العدوان الصهيوني والقوى المساندة له،وتشديدا على ضرورة تنسيق السياسات الاقتصادية والمالية للقضاء على أسباب التجزئة وللمحافظة على الثروات القابلة للنضوب،وتحقيق الأمن والنهضة العلمية والتكنولوجية،وإيماناً بأن الإنسان العربي صانع التنمية.
قرر المجتمعون في القمة:
–       الالتزام الكامل بالميثاق،وتحييد العمل الاقتصادي عن الخلافات السياسية الطارئة…بعدها بدأ الحديث عن التفاصيل الإجرائية من منح المعاملة التفضيلية التامة للمشروعات العربية المشتركة،والالتزام بمبدأ المواطنة الاقتصادية العربية وتحرير لتنقل الأيدي العاملة،والعمل السريع لتقليص الفجوة التنموية والداخلية معتمدين مبدأ التخطيط القومي وتكامل اقتصاده،والدعم الكامل لأي قطر يتعرض لعدوان أجنبي،أو إجراءات اقتصادية مضادة،وفي المجال المالي شدد المؤتمرون على اتفاقية صندوق النقد العربي والتوسع في استخدام الدينار العربي مع توسيع للتبادل التجاري البيني،وتطوير للمنظمات العربية المتخصصة محددين أسس العلاقات الدولية بما يخدم القضايا القومية إضافة إلى أحكام تتعلق بمستويات العلاقات الاقتصادية العالمية،ودعم لدول المواجهة ومنظمة التحرير الفلسطينية،ودعم صمود الشعب العربي.
        تلك هي النقاط الأبرز في الميثاق إنما وبعد مرور ثلاثين عاماً وأكثر على صدوره ومقارنة بما نُفذ منه يضج الإنسان العربي قائلا   ً:  ″اقرأ تفرح جرّب تحزن″     لهذا يجب أن لا نستغرب تواضع أرقام النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي،فالدول الخليجية المنتجة للنفط حققت معدلات مقبولة نتيجة ارتفاع أسعار هذه السلعة بينما في سوريا بقيت معدلات النمو لا تتجاوز3%ومثلها لبنان ومصر،بينما في دراسة للدكتور عبد الله الدر دري ينبّه إلى أن معدل النمو في لبنان في السنين الأخيرة كان أقل من1%.
جملة هذه الحقائق تجعلنا نرد ذلك إلى:
1-      فشل في التنمية القطرية،وفشل أكبر في التعاون الاقتصادي العربي لعدم وجود الإرادات السياسية،بل لقد خيّمت الخلافات على المصالح الوطنية.
2-      هناك بلدان عربية تخضع للإملاءات الأجنبية المُطالبة بالحدّ من النماء لكن مسموح لها بعد أن ينتزع الفساد جزءاً من مواردها وخاصة لمسؤوليها بشراء الأسلحة والمباهاة بمشاريع لا ريعية لها كالطرقات،وبناء الأبراج فوق الأرض وتحت الماء.
3-      كوابح التنمية كثرت وتعددت فأصبحت بلداننا تستأثر بهذه الخصوصية مخالفة بذلك مسيرة الدول النامية التي تتعاون بلدانها القريبة من بعضها في بناء اقتصادياتها لأن قرب المسافات يحقق غالبا ريعية أفضل لتبادل مواردها الأولية وإنتاجها الصناعي.
ومؤتمر القمة الاقتصادي الأخير والذي عُقد في السعودية أخذ منحىً مغايراً نسبياً لما كان يقرر،وذلك بزيادة رأسمال صندوق الاستثمار بــ50%كحد أدنى  مع أن قرار نشأته حدده بــ2مليار دولار سدد البعض التزاماته فبلغ مجموع موجوداته1,2مليار وبقية المبلغ لم تلتزم بلدان بسداده.
        أمام هذا الواقع الخطير حيث نزلت مطالب الشعب إلى الشوارع، وازداد الحديث عن الثورات والربيع العربي بينما ازدادت عجوز موازنات بلدانها بفعل استمرارية الاحتجاجات مما حدّ من قدرة أنظمتها الجديدة على التفرغ لتصحيح المسارات الاقتصادية السابقة لذا لابد من:
1-      فتح حوارات عاجلة بين قوى الثورة لتحديد وتثبيت أهدافها والانطلاق لبناء الأوطان.
2-      المؤسسات العربية المعنية ومنها الجامعة العربية عليها التزام  الطرق الصحيحة والقويمة من أجل تعزيز وتنشيط الاستثمارات،وزيادة حجم التجارة البينية بين أعضائها ونزع القيود المعيقة لها،وتطبيق إلزامية القرارات على الجميع من قبل بها أو اعترض على جانب منها،والكشف الصادق عن من لا يلتزم بها.
الأقطار العربية المصدرة للنفط سيزداد دخلها نتيجة ارتفاع الأسعار، والفائض المتراكم لديها عليها استثماره قطرياً وعربياً فالريعية في هذين المجالين أفضل وأسلم من استثمارها في مشاريع كشراء سندات الدين الأمريكي،أو في مشاريع في بلدان أوروبية  أفلس بعضها والآخر يقترب من الإفلاس،هذه الايجابية ستنعكس على الاقتصاديات العربية نتيجة المشاركة  وعلاقاتها المتنامية. ولابد أخيرا من التأكيد على أعادة النظر جذريا بالعملية التربوية التعليمية في جميع مراحلها وتغيير لمناهجها لاسيما الجامعية منها لتتلاءم وتواكب التطورات المعاصرة.
        مستقبل محفوف بالمخاطر فليس من حلّ له إلا الوعي،والعمل الوطني في الإطار القومي،وإلا فإن شوارع كل العواصم والمدن بلا استثناء ستمتلئ بالاحتجاجات،وتوابعها هائلة .

الأربعاء 13 فبراير 2013 23:37
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

استيطان “مجاهدي خلق” أم الملالي؟

التفتوا إلى مستقبل فلذات أكبادنا… والله عيب أفيقوا .أفيقوا

Related posts
Your comment?
Leave a Reply