كيف تزرع مليار شجرة في المغرب

qadaya 0 respond
فضاء الدعم المدرسي

environnement

د. يوسف بن مئير
الآن موسم الزراعة. وحيث أن الشعب المغربي يعمل كلّ ما بوسعه لزراعة الأشجار والنباتات التي ستعزّز مستقبله وتجلب له الأمن الغذائي، قد يطرح هذا السؤال نفسه: كيف باستطاعة عائلات المزارعين أن تزرع بحيث تضيف قيمة لمنتجاتها حسب مقدرتها وتتغلّب بذلك على ممارسات الكفاف الزراعية التي تبقيها في حالة الفقر ؟
الأخبار الجيدة هي أنّ العناصر العمليّة للحلّ متوفرة. الأمر يتعلّق الآن بالقيام بمشاريع تجريبيّة على نطاق ٍ واسع للبلد بالرّغم من التحديّات الكبيرة التي تواجهها الزراعة بهذا الحجم مع تداعياتها فيما يتعلّق بإدارة المياه واستيعاب الأسواق منتجات زراعيّة بكميات أضخم بكثير مما هي عليه الآن.

العوامل التي تحمل في ثناياها عوامل النجاح:
أوّلا ً – ولله الحمد – هناك في المناطق الشاسعة حيث يتركّز معظم الفقر أصناف بلديّة أصليّة من النباتات والأشجار على نطاق ٍ واسع تنمو وتزدهر بدون استخدام المبيدات الحشريّة ومواد كيماويّة أخرى. وتشمل القائمة أشجار الفواكه مثل الجوز والرّمان والزيتون والليمون والتين والخرنوب والبلح (التمر) واللوز، هذا إضافة إلى النباتات الطبيّة والعطريّة – الأروماتيّة مثل نبات الكبر، والخزامى، والنعناع، وإكليل الجبل والمريمية والزعتر.

وتحصيل الشهادة العضويّة لهذه الأشجار والنباتات وغيرها من الأصناف سيعزّز بدرجة كبيرة من قيمتها الإنتاجيّة. علاوة ً على ذلك، بهذا المجال الواسع من المنتجات (ولربّما بعد إضافة عمليات تصنيع ٍ لها مثل اللتجفيف أو استخراج زيوتها) يمكن تجنّب تشبّع السّوق وبإمكان أية منطقة تتاح لها الفرصة لذلك أن تتطوّر زراعيّا ً وفقا ً لمسارها العضويّ التخصصي.

ثانيا ً، لقد برزت اللجنة العليا المغربيّة للمياه والأحراش ومكافحة التصحّر (المعروفة شعبيّا ً ب “المياه والأحراش”) بدعمها للمشاريع الرياديّة والتجريبيّة وذلك بإقراضها أراض ٍ أقامت عليها المجتمعات المحليّة مشاتل للأشجار.

التوسّع في نطاق المشروع:
يجب أوّلا ً إنشاء عدد كبير من هذه المشاتل للمملكة من أجل “تصنيع” المليار شتلة التي تشير التقادير بأنها مطلوبة لإخراج مواطني المملكة من دورة الفقر. أضف إلى ذلك، يجب أن تخضع هذه المشاتل للنظام اللآمركزي في إنشائها من وجهة النظر التنظيميّة وينبغي أن تكون مختصّة في أصناف النباتات المستوطنة في تلك المنطقة المعنيّة وعليها أيضا ً أخيرا ً أن تسهّل وتيسّر تدريب أعضاء الجاليات المحليّة في العمليّة المتكاملة لإنشاء وتشغيل المزيد من مشاتل الأشجار.

للعائلات الفلاحيّة مخاوف يمكن للمرء أن يتفهمها من حيث أنها تخاطر في انتقالها من دورة تقليديّة تاريخيّة للشعير والذرة – حتّى ولو كانت هذه تبقيها في طور الفقر – إلى محاصيل نقديّة أكثر ربحا ً. ويمكّنها اقتراضها الأراضي لهذا الغرض من “المياه والأحراش” على التغلّب على هذه المخاوف حيث أنها – من وجهة نظرها – لن تخسر استعمال أرضيها الصالحة للزراعة خلال فترة السنتين الضروريّة لنضوج الأشجار والنباتات من بذورها.

ومساهمة “المياه والأحراش” من وجهة نظر مستوى المشروع ليست فقط جديرة بالثناء العظيم، بل هي ضروريّة بالفعل في محاولة التغلّب على الفقر الريفي. أضف إلى ذلك، فإنها تمثّل مرونة من جانب المؤسسة من حيث التكيّف في إدخال ليس فقط أشجار الغابات العاديّة، بل وأيضا ً أشجار فاكهة عضويّة أصليّة وأصناف نباتات عطريّة – أروماتيّة.

وبإمكان هذه المشاريع الرائدة الناجحة أن تنتشر الآن لمواقع محتملة يتراوح عددها ما بين 500 و 600 موقعا ً منتشرة في جميع أرجاء المملكة، وهذه مبادرة قد تأخذ مجراها بشكل ٍ مثالي ضمن إطار استراتيجيّة تنمية وطنيّة واضحة.

قيادة العمل الميداني:
لا تقدّم إجراءات “المياه والأحراش” مثالا ً فقط للرؤية اللازمة لمعالجة الحواجز الأساسيّة لتحقيق النموّ المستدام، بل أنها تجعل هذه المؤسسة القائد من حيث مساهمتها في توفير الأراضي لهذا الغرض في المغرب (تجدر الإشارة هنا إلى الموقع الريادي المتمثّل في مشتل لأشجار الجوز في بلدية أسني في إقليم مرّاكش والتي تتباهى اليوم بحوالي 250.000 شجرة جوز).

وفيما تقود “المياه والأحراش” مناطق، يشرع آخرون في اتباع نهجها. فالجالية اليهوديّة في المغرب، بعدد مماثل تقريبا ً من المواقع المحتملة، قد تصبح هي الأخرى موزّعا ً حيويّا ً على نطاق واسع لأراض من أجل إنشاء مشاتل محليّة في جميع أرجاء المملكة.

والخلفيّة الثقافيّة والحضاريّة لهذه المبادرة مذهلة بحدّ ذاتها، وفريدة من نوعها من الناحية العمليّة للمغرب. لقد دخل تقليد تبجيل القديسين في الحياة المغربيّة، الإسلامية واليهوديّة، منذ عدّة قرون من الزمن. ونتيجة لذلك، (وإضافة لنظرائهم المسلمين) هناك مئات من الشخصيّات اليهوديّة، ذكورا ً وإناث، مدفونة ً إما بمعزل ٍ عن غيرها أو في مقابر، عادة ً في المواقع الريفيّة. وتبعا ً لتقلّص السكان اليهود في المغرب خلال القرن الماضي، فما زالت المجتمعات المحليّة تحافظ على هذا التقليد شأنها شأن يهود الشتات وبدعم عملي ومعنوي من طرف الحكومة المغربيّة والشعب المغربي.

وبصرف النظر عن الصيانة اللازمة لهذه المواقع المقدسة، هناك إمكانيّة في الأراضي الصالحة للزراعة التي غالبا ً ما تقع بجوار هذه الأماكن المقدسة بدون الإستفادة منها. والموقع التجريبي الريادي فيما يعرف أساسا ً بمبادرة ما بين الثقافات ويجلب معه أملا ً جديدا ً للجاليات الفلاحيّة الإسلاميّة المحليّة من الأراضي اليهوديّة يقع في آكريش في بلدية تامسلوت، ليس بعيدا ً مرة أخرى عن مراكش. لقد تمّ تنشئة ثلاثين ألف شجرة ووزعت من المشتل الذي زاره أخيرا ً والي إقليم الحوز، السيد يونس البطحاوي. وهناك ما مجموعه سبعة “طرود” من الأراضي الآن قد تمّ تخصيصها للإقراض ومن المتوقع أن تنطلق هذه المبادرة في جميع أرجاء المملكة المغربيّة.

كلّ هذا يعطي مثالا ً من الناحيتين التقدميّة والعمليّة للنموذج الذي تمّ تبنّيه في المغرب. وفي دولة ٍ نامية يُنظر فيها للحفاظ على التراث الثقافي كغاية في حدّ ذاتها كترف، تقرّر بدلا ً من ذلك خلق إطار للإحتفال باللوحة الفسيفسائية للثقافات في المملكة وفي نفس الوقت الدّفع بأهداف التنمية البشريّة إلى الأمام. علاوة ً على ذلك، قد يكون المغرب المكان الوحيد في إفريقيا والشرق الأوسط الذي يُمارس ويتقدّم فيه التعاون المحلي الإسلامي واليهودي من خلال الإستفادة المبدعة للموارد الثقافيّة.

كلّ هذه العوامل مجتمعة:
من الصحيح حتما ً تشجيع جهات أخرى مساهمة لاقتفاء هذا النهج بإقراض أراض ٍ لإنشاء مشاتل لأشجار الفاكهة وللنباتات الطبيّة تديرها الجاليات المحليّة بنفسها. ومثالا ً على ذلك، لدى وزارة الزراعة مئات المراكز الزراعية المنتشرة في جميع أرجاء المغرب، وكلّ واحد ٍ من هذه المراكز موقع محتمل لمشتل مجتمعي. وتبقى هناك مسألة ضمّ كلّ هذه الأحواض من الأراضي المتوفّرة ل”المياه والأحراش”، وهذه مع الجالية اليهودية في المغرب ووزارة الزراعة إذا خصصت جميعها لهذا الغرض سيوفّر ما بين 80 و 100 مليون نبتة كلّ عامّ.

بهذه المساهمات الثلاث فقط، قد يصبح المغرب على النهج الصحيح لتحقيق المليار شجرة اللازمة لإنهاء ويلات الفقر الريفي الذي لا هوادة فيه على ما يبدو. وما هو أكثر من ذلك، بإمكان مبادرات النمو الأخضر الناجحة من أشجار فاكهة ونباتات طبية أن توفّر القاعدة التمويليّة للإستثمار في مجموعة كبيرة من المشاريع الأخرى – في التعليم، الصحة، وتمكين المرأة والشباب – حيث القدرة الكامنة كبيرة والحاجة للعدل ملحّة.

أجل، الآن هو موسم الزراعة. فإذا كنّا ناجحين فيه، فإن فرص زراعة المزيد من الأمل ستكون غير محدودة.
_________________________________________________________________
د. يوسف بن مئير رئيس مؤسسة الأطلس الكبير، وهي مؤسسة مغربيّة – أمريكيّة غير ربحيّة زرعت ما يزيد عن مليون شجرة في المغرب مع شركاء محليين وحكوميين.

الأحد 15 مارس 2015 11:28 فضاء الدعم المدرسي
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

تنظيم اليوم الجهوي لحماية المستهلك 2015 بغرفة التجارة والصناعة والخدمات لخريبكة

الحركة الحقوقية بوزان تحتج

Related posts
Your comment?
Leave a Reply