مكانة المنظمة .. ودورها

qadaya 0 respond

محمد السهلي – جاء الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية عربيا وأمميا تتويجا لنضالات مريرة خاضها الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية. وحدد هذا الاعتراف مكانتها السياسية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. وباتت المنظمة منذ العام 1974 العنوان الوحيد الذي من خلاله يتم التوجه إلى الشعب الفلسطيني بكل ما يتصل بحقوقه الوطنية.

وبالتالي، فإن كل من رفض الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وقف ضد المنظمة ووضعها في خانة الإرهاب ورفض التعامل معها وفي المقدمة من هؤلاء تل أبيب وواشنطن لينقسم العالم بين أغلبية مؤيدة للحقوق الفلسطينية ولدور منظمة التحرير ومكانتها وبين أقلية تكتلت في الموقف المقابل.

لذلك، ومنذ ذلك الوقت، اتضح أنه لا يمكن الفصل سياسيا وعمليا بين المس بمكانة منظمة التحرير السياسية والتمثيلية وبين المس بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وقد أثبتت التجربة المديدة صحة هذا الاستخلاص.

عندما اعترف المجتمع الدولي بمنظمة التحرير وبمكانتها كان ذلك اعترافا بمشروعية الحقوق الوطنية الفلسطينية بدءا من حق تقرير المصير. وارتبط هذا الاعتراف بشكل عضوي بالبرنامج الوطني الذي طرحته منظمة التحرير ونال تأييدا واسعا على الصعيد الدولي؛ وقبل ذلك كان قد نال إجماعا وطنيا واسعا باعتباره ربط بين حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طرودا منها إبان النكبة، وبين حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإزالة الاحتلال الإسرائيلي الذي حصل جراء عدوان العام 1967، ونظر إلى هذا البرنامج كرافعة وطنية تفتح الباب واسعا أمام انجاز الحل الجذري للقضية الفلسطينية واستعادة الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وعودته إلى سكة التطور الطبيعي في وطنه الذي شرد منه إبان النكبة، وبكل ما يعني ذلك من تصفية آثار النكبة التي ولدها المشروع الصهيوني في فلسطين.

ومع أن البرنامج الذي قدمته منظمة التحرير قد لاقى اعتراضا من بعض القوى والفصائل الفلسطينية إلا أن مسار العمل الوطني والتحديات الكبيرة التي تعرضت لها القضية الفلسطينية أوصلت الجميع إلى قناعة بأن هذا البرنامج هو الذي يصلح كسلاح برنامجي تجتمع حول تنفيذه فئات الشعب الفلسطيني وقواه السياسية ويلبي مصالح الجميع في المرحلة الراهنة، وكونه أيضا لاقى قبولا وتبنيا على المستويين العربي والدولي. وبات بالتالي، برنامج إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأراضي المحتلة عام 67 وعاصمتها القدس وضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاته هو العنوان الأساسي الذي التف حوله الفلسطينيون شعبيا وسياسيا، وقد تأكد ذلك على الأقل في وثيقة الوفاق الوطني التي تمت بلورتها صيف العام 2006 وتعهدت بالتزامها جميع القوى والفصائل والهيئات الفلسطينية، وعلى هذه الأرضية، تم الاتفاق في القاهرة بين جميع هذه القوى والفصائل على انضمام حركتي حماس والجهاد إلى المنظمة وترافق ذلك مع إعلان كل من الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة ومنظمة الصاعقة العودة إلى هيئات منظمة التحرير، كما تم الخوض بتفعيل قرارات إعلان القاهرة (2005) الذي أكد على إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية من خلال انتخابات مباشرة للمجلس الوطني وسائر الهيئات المنبثقة عنه.

كل ما سبق يدفعنا للاستخلاص بأن الإجماع الدولي والعربي على مكانة منظمة التحرير وبرنامجها، والإجماع الفلسطيني السابق والمستجد حول ذلك، يجعلان من أي تجاوز فلسطيني للمنظمة ومكانتها التمثيلية إنما يعتبر تفلتا غير مبرر من التعهدات التي قدمت وشكلت الإجماع الذي ورد ذكره، كما يؤدي إلى النظر إلى التجاوزات على الإجماع على أنها تمس بمكانة المنظمة وخاصة إذا اتصل هذا التجاوز بطرف فلسطيني في ظل عودة التجاذبات الداخلية الفلسطينية بشأن تطبيق اتفاق المصالحة وعودة نذر الاضراب السياسي الداخلي والمؤثرات التي تقول بأن استعادة الوحدة الفلسطينية باتت أبعد منالا مما كان الأمر عليه بعيد توقيع اتفاق المصالحة في 4/5/2011.

لقد تعرضت منظمة التحرير على امتداد العقود السابقة إلى محاولات عديدة لشطبها وإخراجها من المعادلة السياسية في المنطقة، كما تعرضت في فترات مختلفة إلى محاولة تهميش لدورها أو إصطناع بدائل لها. وفي كل مرة كانت الجهود الوطنية تنجح في إفشال هذه المحاولات وصيانة وحدة المنظمة ومكانتها السياسية والتمثيلية.

ومن بين ردات الفعل الوطنية على محاولات تهميش المنظمة كانت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في العام 1987 التي استطاعت أن تعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة وأفشلت في الوقت نفسه جميع محاولات تهميش المنظمة وإزاحتها عن عملية التسوية السياسية عندما طرحت بوادرها في العام 1991.

وربما من المفيد الإشارة هنا إلا أن التعامل «الغربي» مع المنظمة كان للأسف رهانا على قدرة واشنطن وإسرائيل على نجاح ضغوطهما على المنظمة من أجل الدخول في عملية تسوية غير شاملة ومتوازنة وقد أدى ذلك بالفعل إلى توقيع اتفاقات أوسلو الذي جزأت القضية الفلسطينية ووزعتها على مراحل تفاوضية، أدت بالتالي بهذه التسوية إلى الحائط المسدود جراء التشدد الإسرائيلي في محاولة فرض السياسة التوسعية الإسرائيلية على حساب قيام الدولة المستقلة التي رفعت شعارا زائفا لعملية التسوية تلك، كما تم تجاوز حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم بفعل عوامل متعددة لا يمكن تجنيب الفريق الفلسطيني المفاوض من مسؤولية ما طرح ويطرح تجاه هذه المسألة.

من هذه الزاوية نقول، إن ما جرى منذ تلك الفترة في سياق التسوية كان بحد ذاته خروجا عن برنامج منظمة التحرير وأدى فعليا إلى المس بمكانتها التمثيلية عندما بدأ الحديث على أبواب مؤتمر مدريد عن «نوعية» و«جغرافية» الحضور الفلسطيني في هذا المؤتمر.. وفي إطار مؤتمر عربي موحد.

كنا نأمل أن يأتي مؤتمر دول عدم الانحياز الذي انعقد مؤخرا في طهران والحالة الفلسطينية قد استعادت وحدتها، ويذهب الوفد الفلسطيني إلى تلك القمة معبرا عن هذه الوحدة سياسيا وبرنامجيا.

وإذا كان من جهود ينبغي أن تبذل في هذا المجال من قبل أشقاء الشعب الفلسطيني وأصدقائه، فهي الجهود التي تدفع بتنفيذ اتفاق المصالحة على قاعدة إعلاء المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا وإقصاء أية سياسات فئوية ومصلحية يمكن أن تؤثر سلبا على استعادة الوحدة المنشودة. 

وقد ثبت بالملموس أن عدم مراعاة هذا المبدأ عند التعامل مع الحضور الفلسطيني لمؤتمر القمة قد أثار بلبلة في الحالة الفلسطينية وكان من الممكن أن تكون مادة مستجدة لجولة أخرى من التجاذبات الداخلية وربما الاضراب، في الوقت الذي وضعت القضية الفلسطينية وسبل دعمها سياسيا وماديا في مقدمة أعمال مؤتمر القمة.

منظمة التحرير الفلسطينية ليست أفرادا أو أسماء أشخاص في مؤسساتها وهيئاتها، بل هي برنامج وطني تم التوصل إليه وبلورته والاعتراف الدولي به بعد تضحيات قدمها الشعب الفلسطيني على طريق إنجاز حقوقه الوطنية في الاستقلال والعودة.. لذلك، فإن الدفاع المستمر عن المنظمة ومكانتها هو في الوقت نفسه دفاع عن هذه الحقوق وصيانتها من التبديد والتصفية.

السبت 1 سبتمبر 2012 12:52
Don't miss the stories follow- قضايا مراكش - and let's be smart!
Loading...
0/5 - 0
You need login to vote.

فرانسوا هولاند يدعو الفرنسيين إلى الوحدة لمجابهة الأزمة الاقتصادية

أنصار الأسد يخترقون موقع قناة الجزيرة

Related posts
Your comment?
Leave a Reply